مثل ذلك كثيرا في تضاعيف المنثورات ، على أن الخليل ما عدّ المشطور من الرجز شعرا . هذا وقد روي أنه حرك الباءين وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن الثانية . وقيل :
الضمير للقرآن أي وما يصح للقرآن أن يكون شعرا .
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ
عظة وإرشاد من اللّه .
وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
( 69 ) وكتاب سماوي يتلى في المعابد ظاهر أنه ليس كلام البشر لما فيه من الإعجاز
لِيُنْذِرَ
القرآن أو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ويؤيده قراءة نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء .
مَنْ كانَ حَيًّا
عاقلا فهما فإن الغافل كالميت ، أو مؤمنا في علم
شرح
يَنْبَغِي لَهُأي الشعر لا يليق بمثله ولا يصح له لأن الشعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن ، والشارع يكون اللفظ منه تبعا للمعنى والشاعر يكون المعنى منه تبعا للفظ لأنه يقصد لفظا به يصح وزن الشعر أو قافيته فيحتاج إلى أن يتخيل معنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ ، ولأن أحسنه ما كان أكثر مبالغة ومجازفة وإغراقا في الوصف وكلها تستدعي الكذب وجل جناب الشارع عنه فما هو إلا اكتساب سماوي وتنزيل إلهي . فعلى هذا الشعر هو الكلام الموزون المقفى الذي قصد إلى وزنه قصدا أوليا ، وأما من يقصد المعنى فيتفق أن يكون ما يدل عليه من اللفظ موزونا لا يكون شاعرا ولا ذلك اللفظ شعرا فلا يكون نحو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب » شعرا قاله يوم حنين حين نزل ودعا واستنصر وقوله : « هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل اللّه ما لقيت » قاله لما أصاب أصبعه حجر فدميت أي لا يكون نحوه شعرا لعدم قصده إلى الوزن والقافية قصدا أوليا . ويؤيد ذلك إنك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجده فيه ما يكون موزونا واقعا في بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعرا ولا الكلام شعرا لفقد القصد إلى اللفظ أولا . قوله :
( على أن الخليل ما عدّ المشطور من الرجز ) فالرجز مستفعلن ست مرات نحو : هل أنت إلا أصبع مستفعلن مستفعلن دميت فعولن هو مقطوع مخبون والقطع هو حذف ساكن الوتد ثم إسكان المتحرك كحذف نون مستفعلن ثم إسكان لامه ، والحذف أن تسقط السبب الثاني كإسقاط « تن » من « فاعلاتن » فقوله : « على أن الخليل » متعلق بقوله : « هل أنت إلا أصبع » كما ذكرنا . وأما قوله : « أنا النبي لا كذب » فمجزوء والجزء أن يحذف العروض والضرب . قوله :
( وقد روي أنه حرك الباءين ) أي في القول الأول بأن فتحها في « لا كذب » وكسرها في المطلب وكسر التاء الأولى أي التي في دميت من غير إشباع الكسرة وسكن التاء التي في لقيت فلا يكون شيء منهما شعرا أصلا . قوله : ( يتلى في المعابد ) إشارة إلى أن القرآن بمعنى المقروء . والقرض قول الشعر خاصة يقال : قرضت الشعر أقرضه إذا قلته والشعر قريض .
قوله تعالى :( لِيُنْذِرَ )متعلق بمحذوف يدل عليه قوله :إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌأي أنزل عليهلِيُنْذِرَ .قوله : ( فإن الغافل كالميت ) لا يتعقل ولا يتفكر . والمراد بالحي حي القلب