وهي تدل على أن الباغي مؤمن وأنه إذا قبض عن الحرب ترك كما جاء في الحديث ، لأنه فاء إلى أمر اللّه وأنه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للحياة الأبدية ، وهو تعليل وتقرير للأمر بالإصلاح ولذلك كرره مرتبا عليه بالفاء فقال :
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
ووضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتحضيض . وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق .
وقيل : المراد بالأخوين الأوس والخزرج . وقرىء « بين إخوتكم » و « إخوانكم »
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في مخالفة حكمه والإهمال فيه
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 10 ) على تقواكم .
شرح
الكلام بين عبد اللّه بن أبي المنافق الخزرجي وبين عبد اللّه بن رواحة الأوسي حتى استبا وتجالدا ، وجاء قوم كل واحد منهما من الأوس والخزرج وتجالدوا بالعصي ، وقيل : بالنعال والأيدي ، وقيل : بالسعف أيضا فنزل قوله تعالى :وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوافرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأ عليهم : « وأصلح بينهم » . فإن قيل : عبد اللّه بن أبي كان منافقا والآية في طائفتين من المؤمنين . قلنا : إحدى الطائفتين هما أصحاب عبد اللّه بن أبي وعشيرته ولم يكن كلهم منافقين والآية تتناول المؤمنين منهم ، أو المراد بالمؤمنين من أظهر الإيمان سواء كان مؤمنا حقيقة أو ادعاء . وروي في سبب نزول هذه الآية روايات آخر . ويحتمل أن تكون كلها صحيحة ويكون نزول الآية عقيب جميعها .
قوله : ( كما جاء في الحديث ) وهو قوله عليه الصلاة والسّلام في حق أهل البغي :
« ولا يطلب هاربها » فإنه قد روي عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يا ابن أم عبد اللّه هل تدري ما حكم اللّه تعالى فيمن بغى من هذه الأمة » ؟ قال : اللّه ورسوله أعلم . قال : « لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيئها » . قوله : ( من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للحياة الأبدية ) كما أن الأخوة من النسب منتسبون إلى أصل واحد هو الأب الموجب للحياة الفانية ، وقوله :
« الموجب للحياة الأبدية » إشارة إلى أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب بحيث لا يعتبر أخوة النسب إذا خلت عن أخوة الإسلام . ألا ترى أنه إذا مات المسلم وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين لا لأخيه الكافر ! وكذا إذا مات الأخ الكافر ! وذلك لأن الجامع الفاسد لا يفيد الأخوة وإنما المعتبر الأصل الشرعي . ألا ترى أن ولدي الزنى من رجل واحد لا يتوارثان ! ؟
وهذا المعنى يستفاد من الإيمان وإنما للحصر فكأنه لا أخوة إلا بين المؤمنين فلا أخوة بالمؤمن والكافر . قوله : ( وقرىء بين إخوتكم ) فإن إخوة جمع أخ وكذلك الأخوان قال بعض أهل اللغة : الإخوة جمع الأخ من النسب والإخوان جمع الأخ من الصداقة ويقع