مُنْذِرِينَ
( 29 ) أي منذرين إياهم بما سمعوا روي أنهم وافوا رسول اللّه عليه السّلام بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده .
شرح
وهو رئيس من رؤساء الجن . وعن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى وقيل :
نصيبين اسم بلد باليمن وقيل : نصيبين ونينوى كانا من توابع ديار بكر والأول قرية بالشام والثاني قريب من الموصل .
قوله : ( روي أنهم وافوا ) أي صادفوا ووجدوا . اختلف في أنه صلّى اللّه عليه وسلّم هل هو مأمور بإنذار الجن والقراءة عليهم ففعله امتثالا لذلك الأمر ؟ أو مروا وهو يقرأ القرآن فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر فأنبأه اللّه تعالى باستماعهم قراءته ؟ وذهب إلى كل واحد من القولين جماعة . قال المفسرون : لما مات أبو طالب وآيس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من إجابة أهل مكة إياه خرج إلى الطائف وحده يدعوهم إلى الإسلام ويلتمس منهم نصرتهم إياه في الدعوة إلى الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فلم يجيبوه في ذلك ، وقالوا : أنت أعلم بأمرك وما لنا رغبة في القبول منك ، وأغروا به سفهاء ثقيف ، فلما يئس من خبر ثقيف انصرف إلى الطائف راجعا إلى مكة ووصل إلى وادي النخلة ويقال له بطن مكة وسمي بوادي النخلة لأن فيه نخلة ، فقام صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك الوادي يصلي العشاء الأخيرة وقيل : قام فيه يصلي الفجر فمر به نفر من أشراف جن نصيبين فاستمعوا لقراءته وآمنوا وأجابوا لما سمعوا . فلما فرغ صلّى اللّه عليه وسلّم من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين وهو صلّى اللّه عليه وسلّم ما قرأ عليهم القرآن امتثالا لأمر اللّه ولا رآهم . وروي أن الجن كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا : هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لأمر ظهر في الأرض ، فذهبوا يطلبون السبب حتى بلغوا تهامة فمروا بوادي النخلة فوافوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو قائم في جوف الليل يصلي ويقرأ القرآن فاستمعوا لقراءته . وقيل : بل أمر اللّه رسوله أن ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن فصرف إليه نفرا من الجن فجمع صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه لذلك فقال لهم :
« إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن الليلة فمن يتبعني منكم » ؟ قالها ثلاثا فأطرقوا إلا عبد اللّه بن مسعود قال : لم يحضر معه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الجن أحد غيري وقمت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخذت إداوة ولا أحسبها إلا ماء . فانطلقنا حتى إذا كنا على مكة في شعب الحجون رأيت أسودة مجتمعة ، قال : فخط لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطا وقال : « ههنا حتى آتيك » ومضى صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم فرأيتهم يشيرون إليه فقام معهم ليلا طويلا حتى جاءني مع الفجر فقال لي : « هل معك من وضوء » ؟ قلت : نعم ، ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم :
« ثمرة طيبة وماء طهور » فتوضأ منها ثم قام يصلي . وفي رواية لمسلم أن ابن مسعود قال :
لم أكن ليلة الجن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووددت لو كنت معه .