السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ
ولم يتعب ولم يعجز والمعنى : أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإيجاد أبد الآباد .
بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
أي قادر . ويدل عليه قراءة يعقوب يقدر والباء مزيدة لتأكيد النفي فإنه مشتمل على « أن » وما في حيزها ولذلك أجاب عنه بقوله :
بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 33 ) تقريرا للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود كأنه لما صدر السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ
منصوب بقول مضمر مقولة :
أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
والإشارة إلى العذاب
قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
( 34 ) بكفركم في الدنيا ومعنى الأمر هو الإهانة بهم والتوبيخ لهم .
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
أولوا الثبات والجد منهم فإنك من جملتهم و « من » للتبيين . وقيل : للتبعيض و « أولوا » العزم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى . وقيل : الصابرون على بلاء اللّه كنوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، وإبراهيم على النار وذبح ولده ، والذبيح على الذبح ، ويعقوب على فقد الولد والبصر ، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضر وموسى قال له قومه :
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
وداود بكى على خطيئته أربعين سنة وعيسى لم يضع لبنة على لبنة صلّى اللّه عليهم أجمعين .
شرح
قادرا على البعث بأن خلق ما ذكر أدون من إعادة الشخص حيا والقادر على الأكمل لا بد أن يكون قادرا على ما دونه . قوله : ( ولم يتعب ولم يعجز ) يقال : عيى بالأمر يعيى من باب علم يعلم إذا تحير فيه ولم يهتد لوجهه وعجز عنه ، وهو كقوله تعالى :وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ[ ق : 38 ] وهو التعب والإعياء تقول منه : لغب يلغب لغوبا من باب دخل . قوله : ( أي قادر ) إشارة إلى أن قوله تعالى :بِقادِرٍفي موضع الرفع على أنه خبر « إن » وزيدت الباء في خبر « إن » مع أنها لا تزاد في الكلام الخبري إلا إذا كان مشتملا على النفي ب « ليس » أو ب « ما » نحو : ليس زيد براكب أو ما زيد براكب ، بناء على أن المقصود إثبات القدرة لا إثبات الرؤية . فإن الاستفهام الإنكاري فيأَ وَلَمْ يَرَوْامتوجه إلى نفي القدرة لا إلى نفي الرؤية ، وأن النفي المذكور في أول الآية مشتمل على « أن » وما في حيزها فكأنه قيل : أليس هو بقادر ؟ إلا أن أداة النفي أدخلت على فعل الرؤية للدلالة على أن نفي القدرة مع كون ثبوتها ظاهرا بينا بعيد عجيب ، فكأنه قيل : قدرة من هذا شأنه على البعث بينة محسوسة فكيف لا يبصرونها وينفونها ؟ ولما كان الإنكار والتعجب المطلق لنفي الرؤية ظاهرا متعلقا بنفي القدرة بحسب المعنى صح دخول الباء في خبر « إن » كما صح دخولها في خبر « ليس » في قولنا :