به في الأغلب لما فيه من الآفات التي قل من يتخلص منها كما أشار إليه بقوله :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ
يتعام ويعرض عنه بفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات . وقرىء « يعش » بالفتح أي يعم يقال : عشي إذا كان في بصره آفة ، وعشا إذا تعشى بلا آفة كعرج وعرج . وقرىء « يعشو » على أن « من » موصولة .
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
( 36 ) يوسوسه ويغويه دائما . وقرأ يعقوب بالياء على إسناده إلى ضمير الرحمن ، ومن رفع « يعشو » ينبغي أن يرفعه .
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
عن الطريق الذي من حقه أن يسلك . وجمع الضميرين للمعنى إذ المراد جنس العاشي والشيطان المقيض له .
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
( 37 ) الضمائر الثلاثة الأول له ، والباقيان للشيطان .
حَتَّى إِذا جاءَنا
أي العاشي . وقرأ الحجازيان وابن عامر وأبو بكر « جاءانا »
شرح
الآخرة لما فيه من الآفات ، ومن جملتها أنه لو وسع عليهم لأحبوها وآثروا الإسلام لأجلها لا للّه تعالى وطلبا لمرضاته واتباعا لما نصبه من الأدلة القطعية ولا ازدادوا حرصا وانهماكا في الشهوات ولأدى ذلك إلى أن يقيض اللّه لهم شيطانا يزين لهم الباطل ويزلهم عن طريق الحق مجازاة لهم على ما آثروا الباطل على الحق . قوله : ( يتعام ويعرض ) مبني على قراءة « يعش » بضم الشين وهي قراءة العامة من عشا يعشو بمعنى تعامى يتعامى أي ينظر نظر المعشى ولا آفة في بصره ، وأما إذا كان في بصره آفة مخلة للرؤية فحينئذ يقال : عشى يعشى كعمى يعمى وزنا ومعنى كما يقال عرج بالكسر فهو أعرج إذا أصابته آفة في رجله مخلة بالمشي السوي ، وعرج بالفتح لمن مشى مشية العرجان وليست به آفة تقتضيها . فمعنى القراءة بفتح الشين ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن كقوله تعالى :صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ[ البقرة : 18 ، 171 ] ومعناها بالضم ومن يتعام عن ذكره أي يعرف أنه الحق وهو يتعامى أي يتجاهل ويتعالى كقوله :وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ[ النمل : 14 ] قال الشاعر :متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خيرنا عندنا خير موقدأي تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء . قوله :
( وقرىء يعشو ) بإثبات الواو على أن « من » موصولة عارية من معنى الشرط ، وينبغي على هذه القراءة أن يقرأ « نقيض » مرفوعا ولم تنقل هذه القراءة فدل ذلك على أن عدم سقوط الواو ليس مبنيا على كون « من » موصولة بل هي شرطية كما في القراءة الأخرى إلا أنه ألحق الفعل الناقص بالصحيح في أن يكون جزمه بحذف الحركة وقد حكى عن الأخفش أنه قال : هي لغة بعض العرب . قوله : ( وجمع الضميرين ) وهما ضمير الشيطان والعاشي فضمير الشيطان هو المنصوب في قوله : « وإنهم » والمرفوع في قوله : « ليصدونهم » وضمير العاشي هو المنصوب في قوله : « ليصدونهم » والمعنى : وإن الشيطان ليصدن العاشين عن السبيل اعتبر