تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم . والمراد بالرحمة النبوة .
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وهم عاجزون عن تدبيرها وهي خويصة أمرهم في دنياهم فمن أين لهم أن يدبروا أمر النبوة التي هي أعلى المراتب الإنسية ؟ وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من اللّه .
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تألف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم لا لكمل في الموسع ولا لنقصان في المقر . ثم إنه لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف فكيف يكون فيما هو أعلى منه ؟
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ
هذه يعني النبوة وما يتبعها .
خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 32 ) من حطام الدنيا والعظيم ما رزق منها لا منه .
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم
شرح
لائقا لمنصب النبوة بناء على قولهم منصب الرسالة منصب عظيم فلا يليق إلا لرجل عظيم ، وأن العظمة والشرف إنما تكون بكثرة المال والجاه وهو صلّى اللّه عليه وسلّم ليس كذلك أبطل اللّه تعالى شبهتهم هذه بأن نزلهم منزلة من يدعي اختصاص قسمة رحمة اللّه تعالى به فأنكر عليهم ذلك فقال :أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَوأنكر كونهم هم المتولين لقسمة النبوة حال عجزهم عن تدبير معيشتهم في الحياة الدنيا . والخويصة تصغير خاصة صغرها إشارة إلى حقارة تلك المعيشة وهي ما يعيشون به من منافع الدنيا وأسبابها وهو يعم الحلال والحرام ، وجعل المعيشة بهذا المعنى حاصلة لهم بقسمة اللّه تعالى إياها بينهم يقتضي أن يكون الحرام رزقا كالحلال ، كما ذهب إليه أهل السنة من أنه تعالى لما قسّم بينهم الحلال قسم الحرام أيضا لأن منهم من يعيش الحلال ومنهم من يعيش بالحرام ، وقد قال تعالى :نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْأي ما يعيشون به وهو يقتضي ذلك وعند المعتزلة : الحرام ليس برزق لأن الرزق عندهم عبارة عن الملك والحرام لا يكون ملكا فلا يكون رزقا . وقالوا : إنه لا يكون ملكا لأن الملك ما يكون للشخص فيه يد محقة يدفع بها اليد المبطلة لغيره عينا كان أو منفعة واليد إنما تثبت بأسباب شرعية عينها اللّه تعالى لثبوت الملك والاختصاص للمالك وهي غير متحققة في الحرام فلا يكون ملكا ، وما لا يكون ملكا لا يكون رزقا وفيه أن الرزق لو وجب أن يكون ملكا لوجب أن لا تكون البهائم مرزوقة إذ لا يتصور لها الملك وقد قال تعالى :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها[ هود : 6 ] . قوله : ( وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره ) كالقوة والضعف والعلم والجهل والغنى والفقر لأنا لو سوينا بينهم في هذه الأحوال كلها لم يخدم أحدا أحدا ، ولم يصر أحد منهم مسخرا لغيره فيفسد به نظام الدنيا ويخرب العالم فأوقع اللّه تعالى بينهم التفاوت ليسخر للأغنياء بأموالهم الأجراء والفقراء