إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا ولذلك قيل : الدنيا مزرعة الآخرة . والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويقال للزرع الحاصل منه
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
فنعطه بالواحد عشرة إلى سبعمائة فما فوقها .
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
شيئا منها على ما قسمنا له .
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
( 20 ) إذ الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى .
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ
بل ألهم شركاء ، والهمزة للتقرير والتقريع وشركاؤهم شياطينهم .
شَرَعُوا لَهُمْ
بالتزيين
مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
كالشرك وإنكار
شرح
مخالف للحكمة بل يصل بره إليهم على سبيل التوزيع بأن يخص بنعمة واحد وآخر بأخرى ، فيرجع بذلك كل واحد منهم إلى الآخر فيما عنده من النعمة فينتظم به أحوالهم وتتم أسباب معاشهم وصلاح دنياهم وعمارتها فيؤدي ذلك إلى فراغهم لاكتساب سعادة الآخرة . ثم إنه تعالى لما بيّن كونه لطيفا بعباده كثير الإحسان إليهم أشار إلى أن الإنسان ما دام في دار الكسب والاختيار لا بد له من السعي في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح والسيئات ، فإن لطفه تعالى وإحسانه وإن لم يكن مقدرا بقدر سعي العبد وعمله إلا أن عادته تعالى قد جرت على أن جعله منوطا بسعي العبد وكسبه فقال :مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُالآية والحرث في الأصل هو الزرع الحاصل بإلقاء البذر في الأرض استعير للثواب الحاصل بمقابلة العمل . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون ثواب الآخرة حاصلا بعمل الدنيا . قوله :
( شيئا منها ) أي شيئا كائنا منها على أن « منها » متعلق بمحذوف هو صفة للمفعول الثاني المحذوف لقوله : « نؤته » قال الإمام : فإن قيل : ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته ، وأجمعوا على أنها لا تصح . والجواب أنه تعالى قال :مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِوالحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا العبودية للّه تعالى . قوله : ( إذ الأعمال بالنيات ) وإذا عمل لدنياه لا لآخرته فلا يثاب في الآخرة على ذلك العمل شيئا قال تعالى في طالب ثواب الآخرةنَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِولم يذكر أيعطيه الدنيا أم لا بل بقي الكلام ساكتا عنه نفيا وإثباتا مع أن الرزق المقسوم له يصل إليه بلا محالة للاستهانة بذلك والإشعار بأنه في جنب ثواب الآخرة كأنه ليس بشيء . وصرح في حق طالب خير الدنيا بأنه لا يعطيه شيئا من نصيب الآخرة تنصيصا على الفرق بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا وليس له من ثواب الآخرة نصيب البتة ، وبيّن أن طالب الآخرة يكون حاله أبدا في الترقي والتزايد وأن طالب الدنيا لا ينال مراده من الدنيا ويكون محروما من ثواب الآخرة بالكلية . قوله : ( بل ألهم شركاء ) يريد أن « أم » هذه منقطعة فيها معنى « بل » والهمزة و « بل » للإضراب عما سبق هو بيان أنه تعالى شرع لهم من الدين ما وصى به الأنبياء المتقدمين ، وأن الذين يحاجون في