الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ
يجادلون فيها من المرية ، أو من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة .
لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
( 18 ) عن الحق فإن البعث أشبه الغائبات إلى المحسوسات ، فمن لم يهتد لتجويزها فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
بربهم بصنوف من البر لا تبلغها الأفهام .
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
أي يرزقه كما يشاء فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته .
وَهُوَ الْقَوِيُّ
الباهر القدرة
الْعَزِيزُ
( 19 ) المنيع الذي لا يغلب .
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ
ثوابها شبهه بالزرع من حيث
شرح
إليه ؟ فإنهم لما لم يؤمنوا بها لم يخافوا ما فيها فهم يطلبون وقوعها استبعادا لقيامها بخلاف الذين آمنوا فإنهم مشفقون منها لعلمهم بأنهم محاسبون ومجزيون بما عملوا في الدنيا مع اعتنائها أي مع اعتنائهم بها واهتمامهم بشأنها ، أي يجمعون بين الخوف منها والاهتمام بشأنها لتوقعهم ما فيها من الثواب . قوله : ( من المرية ) فقوله :يُمارُونَمعناه في الأصل تداخلهم المرية والشك فيؤدي ذلك إلى المجادلة ، فقوله في تفسيره : « يجادلون » تفسير له بمؤداه ولازمه وإن كان من المري وهو التعرض لضرع الناقة لاستخراج ما فيه من اللبن ، يكون تفسيره « بيجادلون » حملا على الاستعارة التبعية بأن شبه المجادلة بمماراة الحالب الضرع لاستخراج ما فيه من اللبن من حيث إن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة . قوله : ( أشبه الغائبات إلى المحسوسات ) فإن البعث مع كونه أمرا ممكنا في نفسه غير مستبعد من قدرة اللّه تعالى قامت على وقوعه دلائل قطعية فبلغ بكثرة شواهده مبلغ المحسوسات ، فإن الكتاب المعجز مملوء بالأخبار عن وقوعه والعقول السليمة شاهدة على أنه لا بد من دار جزاء لئلا يكون تكليف الحكم عبثا . قوله : ( بصنوف من البر لا تبلغها الأفهام ) كثرة البر مستفادة من تنكير لطيف ومن صيغة فعيل لأنها للمبالغة وكونها بحيث لا تبلغها الأفهام مستفاد من مادته ، فإن اللطف إيصال نفع فيه دقة وعظم قدر ولا تبلغ قوة المتفكر إلى إدراك لطفه في ترزيق عباده من بني آدم وغيرهم وأن بذل جهده حيث جعله منوطا بترتيب العالم العلوي والسفلي وما فيهما من الصنائع العجيبة والتدبيرات الغريبة بحيث يعجز عقل البشر عن معرفة أدنى شيء منها فضلا عن استقصائها . قوله : ( أي يرزقه كما يشاء ) لما ورد أن يقال : إن إضافة العباد وهو جمع إلى ضمير اسم اللّه تعالى من طرق الاستغراق فتفيد أنه تعالى لطيف بجميع عباده فالمناسب له أن يقال بعده : يرزقهم جميعا برا وفاجرا ولا يهلك الفاجر جوعا بمعاصيه ، فما وجه تخصيص ترزيقه بمن شاء ؟ أشار إلى جوابه بأن المخصوص بمن يشاء هو نوع البر وصفه وذلك لا ينافي عموم جنس بره لجميع عباده فإنه تعالى بربهم جميعا ، لا بمعنى أن جميع أنواع البر وأصنافه تصل إلى كل أحد فإنه