وعيد بالمجازاة
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ
بدل من قوله : « إن الذين يلحدون في آياتنا » أو مستأنف وخبر « أن » محذوف مثل معاندون أو هالكون أو أولئك ينادون ، والذكر القرآن .
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ
( 41 ) كثير النفع عديم النظير أو منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه .
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات
شرح
إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات ويجادل بإلقاء الشبهات فيها فقال :إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِناالآية والإلحاد في الأصل مطلق الميل والانحراف ثم خص في العرف بالانحراف عن الحق إلى الباطل أي الذين ينحرفون عن تأويل آيات القرآن من طريق الصحة والاستقامة تجازيهم على انحرافهم ، ثم نبّه على أنهم يلقون في النار وأن أضدادهم باقون يوم القيامة آمنين . قوله : ( بدل من قوله إن الذين يلحدون في آياتنا ) لأن الإلحاد فيها كفر بالقرآن فلذا اكتفى بجواب الأول عن الثاني ، والذي يحكم به على البدل هو المحكوم به على المبدل منه فيلزم أن يكون الخبرلا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا .قوله : ( أو أولئك ينادون ) معطوف على قول محذوف استبعد هذا الاحتمال من وجهين : الأول كثرة الفواصل بينهما والثاني تقدم من تصح الإشارة إليه بقوله :أُولئِكَ *وهو قوله : « والذين لا يؤمنون » وحق اسم الإشارة أن يشار به إلى أقرب مذكور . قوله : ( والذكر القرآن ) فيكون من وضع الظاهر موضع ضمير الآيات .
ولما بالغ في تهديد الذين يلحدون في آيات القرآن اتبعه ببيان تعظيم القرآن فقال :وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌإن كان من العز الذي هو خلاف الذل يفسر بأنه كثير النفع عديم النظير ، وإن كان من عزه يعزه عزا بمعنى غلبه يفسر بأنه منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه ، فإن القرآن وإن كان لا يخلو عن طعن باطل من الطاعنين وتأويل فاسد من المبطلين إلا أنه تعالى وقاه بحفظه وقدر له في كل عصر منعة يحفظونه ويحرسونه بإبطال شبه أهل الزيغ والهوى ورد تأويلاتهم الفاسدة ، فهو غالب يحفظ اللّه تعالى إياه وكثرة منعته على كل من يتعرض له بالسوء .
قوله : ( لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات ) بأن يذكر أظهر الجهات وأكثرها في الاعتبار وهو جهتا القدام والخلف . ويراد الجهات بأسرها ، فيكون قوله :لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِاستعارة تمثيلية شبّه الكتاب في عدم تطرق الباطل إليه بوجه من الوجوه بمن هو محمي بحماية غالب قاهر يمنع جاره منأن يتعرض له العدو من جهة من جهاته ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بأن عبّر عن المشبه بما يعبّر به عن المشبه به فقال :لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِفقوله :لا يَأْتِيهِ الْباطِلُصفة ثانية « لكتاب » وقوله :تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍتعليل لاتصاف الكتاب بالوصفين المذكورين فإن كونه منزلا