تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
( 37 ) فإن السجود أخص العبادات وهو موضع السجود عندنا لاقتران الأمر به . وعند أبي حنيفة آخر الآية الأخرى لأنه تمام المعنى .
شرح
تعليل النهي عن سجود الشمس والقمر ، إلا أنه تعالى جمع الشمس والقمر مع الليل والنهار على خلاف الظاهر إشعارا بأنهما مع كونهما عبدين مأمورين مخلوقين من عداد ما لا يعقل ولا يختار فحالهما أبعد عن كونهما مسجودين فقال :خَلَقَهُنَّفإن قيل : ما عدا الشمس من هذه الأربع ذكور فكان المناسب تغليب الذكور على المؤنث الواحد فلم غلب الأنثى الواحدة على الذكور ؟ قلنا : تلك الأربع المتعاطفة جماعة ما لا يعقل فلا يجوز أن يرجع إليها ضمير جماعة الذكور وإنما يرجع إليها إما ضمير الأنثى أو ضمير الإناث لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل معاملة الإناث نحو : الأقلام بريتها أو بريتهن . واختير الثاني في الآية . وما قيل من أنه قيل :خَلَقَهُنَّبضمير الإناث دون ضمير الأنثى لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل معاملة الإناث وفي جمع الكثرة أن يعامل معاملة الأنثى ، فإن الأفصح أن يقال : الأجذاع كسرتهن والجذوع كسرتها ، والمرجوع إليه في الآية جمع قلة فلذلك رجع إليه ضمير الإناث مما لا وجه له لأن المرجوع إليه في الآية ليس لفظا واحدا موضوعا لما دون العشرة حتى يكون جمع قلة . قوله : ( فإن السجود أخص العبادات ) به تعالى لأن العبادة عبارة عن التذلل للّه تعالى وتعظيم جنابه والسجود نهاية التعظيم فيكون أخص به تعالى بالنسبة إلى سائر وجوه العبادة وتقديم المفعول في قوله تعالى :إِيَّاهُ تَعْبُدُونَللحصر والتخصيص فمن خص العبادة به تعالى لزمه أن لا يسجد لغيره ضرورة أن اختصاص مطلق العبادة له تعالى يستلزم اختصاص أخص العبادة به بطريق الأولى فقوله : « فإن السجود أخص العبادات » علة للجواب المحذوف لقوله :إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَوتقدير الكلام : إن كنتم إياه تعبدون لا تسجدوا لغيره . قيل : كان ناس يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لها السجود للّه تعالى ، فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا للّه الذي خلق هذه الأشياء . فإن قيل : إذا كان لا بد في السجود من قبلة معينة فلو جعلنا الشمس قبلة عند السجود كان ذلك أولى . قلنا : الشمس جوهر مشرق عظيم الرفعة له منافع عظيمة في صلاح أحوال الخلق فلو أذن الشرع في جعلها قبلة في الصلوات بأن يتوجه إليها ويركع ويسجد نحوها لربما غلب على بعض الأوهام أن ذلك الركوع والسجود للشمس لا للّه ، فللاحتراز عن هذا الوهم نهى الحاكم الشارع من جعل الشمس قبلة بخلاف الأحجار المعينة فإنه ليس في جعلها قبلة ما يوهم الإلهية ، فكان المقصود من اتخاذ القبلة حاصلا بالتوجه إليها مع زوال المحذور المذكور فكان جعلها قبلة أولى . قال السدي : لما نزلت هذه الآية