وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ
( 32 ) يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة ، أو يتصايحون بالويل والثبور ، أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار كما حكى في الأعراف . وقرىء بالتشديد وهو أن يند بعضهم من بعض كقوله :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
[ عبس : 34 ]
يَوْمَ تُوَلُّونَ
عن الموقف
مُدْبِرِينَ
منصرفين عنه إلى النار وقيل : فارين منها .
ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ
يعصمكم من عذابه .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 33 ) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ
يوسف بن يعقوب على أن فرعونه فرعون
شرح
بغير ذنب . وهذه الآية في عذاب الدنيا لأن عقوبة تكذيب الأحزاب قد عجلت لهم في الدنيا ثم قال :وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِوالتنادي مصدر تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضا أصله تناديا بضم الدال ثم كسروها لأجل الياء ، وحذف الياء حسن في الفواصل كقوله :يَوْمَ التَّلاقِأصله يوم التلاقي سمي يوم القيامة بيوم التناد لأن الناس ينادي بعضهم بعضا للاستغاثة كقولهم :فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا[ الأعراف : 53 ] أو يتصايحون بنحو قولهم :يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا[ يس : 52 ]يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ[ الكهف : 49 ] أو ينادي أصحاب الجنة أصحاب النارأَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا[ الأعراف : 44 ] من الجنة والنعيم المقيمحَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ[ الأعراف : 44 ] أي من عذاب النارحَقًّا قالُوا نَعَمْ[ الأعراف : 44 ]وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ[ الأعراف : 50 ] وقرىء « يوم التناد » بتشديد الدال على أنه مصدر تناد من ند البعير إذا هرب ونفر ، ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى بعد ذلكيَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَوقول الضحاك إنهم إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة فيه صفوفا فيرجعون إلى مكانهم ، فذلك قوله تعالى :وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها[ الحاقة : 17 ] وانتصاب « يوم التناد » إما على أنه ظرف « أخاف » كأنه خاف عليهم في هذا اليوم لما يلحقهم من العذاب إن أصروا على التكذيب والإيذاء ، وإما على أنه مفعول به على أن يكون تقدير الكلام إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وأعرب بإعرابه . وقوله تعالى :يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَيجوز أن يكون بدلا من « يوم التناد » وأن يكون منصوبا بتقدير : أعني ولا يجوز أن يكون عطف بيان لأنه نكرة وما قبله معرفة . ثم إن المؤمن أكد التهديد فقال :ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال :وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍثم إن ذلك المؤمن وبخ قوم فرعون بأن الكفر والشك في البينات القاطعة عادة قديمة فيكم حتى كذبتم يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسّلام في دعوى الرسالة وقدجاءَكُمْ يُوسُفُعليه الصلاة والسّلامبِالْبَيِّناتِأي بالمعجزات التي من جملتها تعبير الرؤيا وبالدلائل الدالة على الوحدانية التي