احتجاج ثالث ذو وجهين : أحدهما أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه اللّه إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات ، وثانيهما أن من خذله اللّه وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله . ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم ، وعرض به لفرعون بأنه مسرف كذاب لا يهديه اللّه تعالى سبيل الصواب وسبيل النجاة .
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ
غالبين عالين
فِي الْأَرْضِ
أرض مصر
فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا
أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا ليأس اللّه تعالى بقتله ، فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد وإنما أدرج نفسه في الضميرين لأنه كان منهم في القرابة وليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم .
قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ
ما أشير إليكم
إِلَّا ما أَرى
إلا ما استصوبه من قتله .
وَما أَهْدِيكُمْ
وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساني متواطئان عليه
إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
( 29 ) طريق
شرح
قوله : ( احتجاج ثالث ) احتج به الرجل المؤمن على أنه لا يجوز قتل موسى وإيذاؤه .
ويمكن تقريره على وجهين : الأول أن الإقدام على قتله مبني على زعم أنه مسرف في ارتكاب الزيف والكذب ، ولا وجه لهذا الزعم لأنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه اللّه تعالى إلى إقامة البينات وإظهار المعجزات وقد هداه إليهما فهو رجل واجب التعظيم والإكرام دون التكذيب والإيلام . والثاني أن هذا الاحتجاج مبني على تسليم كلام الخصم وإرخاء العنان كأنه قال : سلمنا أنه مسرف كذاب إلا أنّا لا نسلم أنه يجب عليكم تعرضه بالقتل والإيذاء لأنه تعالى لا يؤيد أمرا مثله بل يخذله ويهلكه عن قريب ، فلا وجه للالتفات إليه والاشتغال بشأنه ، وعرض به لفرعون بأنه مسرف في عزمه على قتل موسى كذاب في ادعاء الربوبية واللّه لا يهدي من هذا شأنه بل يفضحه ويهدم أمره . ثم إن المؤمن من آل فرعون لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العذاب الذي توعدهم به في قوله :يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْفقال :يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَالآية . قوله تعالى :( ظاهِرِينَ )حال من الضمير في « لكم » والعامل فيها وفي قوله : « اليوم » ما تعلق به « لكم » قوله : ( ومساهمهم ) أي صاحب سهم ونصيب معهم . ولما قال المؤمن ما قاله في الذب عنه عليه الصلاة والسّلام قال فرعون :ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرىوهو يجوز أن يكون من الرأي وأن يكون من الرؤية بمعنى العلم يقال : رأي فيه رأيا بمعنى اعتقد فيه اعتقادا ، ورآه بعينه أي أبصره ، ورآه بقلبه أي علمه . والمعنى على الأول ما أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته من أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة . ولما نقل رأى من الرأي إلى باب افعل عدي إلى الضمير المنصوب ثم استثنى استثناء مفرغا فقيل :إِلَّا ما أَرىوعلى الثاني ما أعلمكم إلا ما علمت فيتعدى إلى مفعولين ثانيهماإِلَّا ما أَرىوقوله : « وقلبي ولساني متواطئان عليه »