افتتانهم بها ونسيانهم حق اللّه . ولقد بالغ في الأمرين حتى بلغ الغاية فيهما ، فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه والاشمئزاز أن يمتلئ غما حتى ينقبض أديم وجهه . والعامل في « إذا » المفاجأة
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
التجىء إلى اللّه بالدعاء لما تحيرت في أمرها وعجزت في عنادهم وشدة شكيمتهم ، فإنه القادر على الأشياء والعالم بالأحوال كلها .
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
( 46 ) فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم .
شرح
وتوحيده راس كل حير ومفتاح كل سعادة ، وذكر الأصنام التي هي الجمادات الخسيسة رأس كل الجهالات والحماقات فنفرتهم عن ذكر اللّه وحده واستبشارهم بذكر هذه الأصنام من أقوى الدلائل على الجهل الغليظ والحمق الشديد . قوله : ( ولقد بالغ في الأمرين ) وهما الاشمئزاز الذي هو غاية النفرة والاستبشار الذي هو غاية الفرح والسرور . وقوله : « حتى بلغ الغاية فيهما » بيان لوجه المبالغة فيهما فإن كل واحد منهما غاية في بابه فإنه إذا امتلأ القلب سرورا ينبسط الروح الحيواني إلى ظاهر البدن فيتهلل بسبب بشرة وجهه وإذا اشتد غيظه ينقبض الروح إلى داخل القلب فيظهر في أديم الوجه أثر الغبرة والظلمة والأمرضة . قوله :
( والعامل في إذا المفاجأة ) جملة اسمية أي العامل في « إذا » الأولى هو فعل المفاجأة العامل في « إذا » الثانية وهو فاجاؤوا لكن قوله : « إذا ذكر » ظرف لذلك الفعل وقوله : « إذا هم » مفعول به وليسا ظرفين له ، لأن العامل الواحد لا يعمل في ظرفين من جنس واحد من غير أن يكون الثاني بدلا من الأول ، ولأن فعل المفاجأة لا بد له من مفعول به لأنه متعد . جعل الزمخشري تقدير الكلام في وقت ذكر الذين من دونه فاجاؤوا وقت الاستبشار ففسر « إذا » المفاجأة بالوقت وقد قالوا إنه للمكان . ولعل الداعي إليه رعاية المناسبة بين « إذا » الأولى والثانية فإن قلت : ما ذكره يؤدي إلى أن يكون للزمان زمان قلنا : إنما يلزم ذلك أن لو لم يكن الوقت الثاني هو الوقت الأول بمعنى أنهم يجعلون وقت الذكر وقت الاستبشار من غير تلبث ، وأما العامل في« إِذا »التي في قوله :وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُفهو قوله :اشْمَأَزَّتْثم إنه تعالى لما حكى هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة العقل بفساده أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول :اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِأي يا خالق السماوات والأرض ويا عالم السر والعلانيةأَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَأي قد علمت حالي وحال قومي هؤلاء وإني قد أبلغتهم واجتهدت في النصح لهم وأوضحت لهم دلائلك فاشمأزوا فاحكم بيني وبينهم ، إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل اللّه تعالى شيئا إلا أعطاه إياه وهي قوله تعالى :قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ .