ملتبسا به
فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ
إذ نفع به نفسه
وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
فإن وباله لا يتخطاها
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
( 41 ) وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى وإنما أمرت بالبلاغ وقد بلغت
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها ، إما ظاهرا وباطنا وذلك عند الموت ، أو ظاهرا لا باطنا وهو في النوم .
فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
ولا يردها إلى البدن . وقرأ حمزة والكسائي « قضى » بضم القاف وكسر الضاد
شرح
قوله : ( ملتبسا به ) إشارة إلى أن قوله : « بالحق » متعلق بمحذف على أنه حال من مفعول « أنزلنا » ويجوز أن يكون حالا من فاعله بمعنى ملتبسين به وأن تكون الباء سببية متعلقة « بأنزلنا » أي أنزلناه بسبب بيان ما فيه من الحق الذي تحتاج إليه الناس . ثم إنه تعالى لما قال : إن كل واحد من الاهتداء والضلال ليس إلا لصاحبه بيّن أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من اللّه تعالى فقال تعالى :اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهاالآية وجعل الهداية مثلا للحياة واليقظة وجعل الضلال مثلا للموت والنوم ، فكما أن كل واحد من الحياة واليقظة ومن الموت والنوم لا يحصل إلا بتخليق اللّه تعالى وإيجاده كذلك الهداية والضلال لا يحصلان إلا من اللّه تعالى . فهذا وجه انتظام الآية بما قبلها . وقيل : وجه الانتظام أنه ذكر حجة أخرى في إثبات أنه إله العالم لتدل على أنه بالعبادة أحق من هذه الأصنام . قوله تعالى :( يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ )أي يقبضها ويستوفيها يقال : أوفاه حقه ووفاه أي أعطاه وافيا ، واستوفى حقه وتوفاه بمعنى واحد أيضا أي قبضه من غير نقصان فقوله تعالى :وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِهافي محل النصب على تقدير : ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها ، فحذف الناصب والموصوف لدلالة ما تقدم عليهما وقوله : « في منامها » متعلق بهذا الفعل المقدر أي يتوفاها في وقت منامها مثل : آتيك خفوق النجم أي وقت خفوقه ، فالنفس المائتة والنائمة يشتركان في أن كل واحدة منهما مقبوضة للّه تعالى بمعنى أنه تعالى يقطع تعلقها عن الأبدان وتصرفها فيها ، ويفترقان من حيث إن النفوس النائمة يرسلها ويردها إلى البدن عند اليقظة ويستبقي هذه الحالة إلى أجل مسمى هو وقت الموت ويمسك النفس المائتة ولا يرسلها ولا يردها إلى يوم البعث . قال الإمام : لا بد في هذا المقام من مزيد البيان فنقول :
النفس الإنسانية كناية عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء فنقول إنه في وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر هذا البدن وعن باطنه حيث لا يتصرف في ظاهر البدن بالإحساس والتمييز ولا في باطنه بالتنفس وذلك هو الموت . وأما في وقت النوم فإنه ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن فقط حيث تتعطل حواسه الظاهرة بأسرها لا عن باطنه لأن النائم حي متنفس كما في حال يقظته ، فالموت والنوم جنس واحد بهذا الاعتبار