قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ
على حالكم ، اسم للمكان استعير للحال كما استعير هنا وحيث من المكان للزمان . وقرىء « مكاناتكم » .
إِنِّي عامِلٌ
أي على مكانتي ، فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد والإشعار بأن حاله لا تقف ، فإنه تعالى يزيده على مر الأيام قوة ونصرة . ولذلك توعدهم بكونه منصورا عليهم في الدارين فقال :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ
فإن خزي أعدائه دليل غلبته وقد أخزاهم اللّه يوم بدر .
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ
( 40 ) دائم وهو عذاب النار
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ
لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم
بِالْحَقِّ
شرح
ليصيبنك منهم خبل أو جنون وهذا المقصود يقتضي فرض المسألة في نفسه . قوله : ( استعير للحال ) يعني أن المكان والمكانة بمعنى واحد إلا أن لفظ مكانة أطلق ههنا على الحال التي كانت المشركون عليها من عداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإرادة أنواع المكر والكيد به تشبيها للحال التي كانوا عليها بالمكان الذي كانوا فيه . وقوله :اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْأمر تهديد أي اعملوا واجتهدوا على حسب حالكم التي أنتم عليها من بغض الحق وأهله فإني عامل في إعلاء الحق وإظهار الدين على حسب حالي وتأييدي من عند ربي .
قوله : ( والمبالغة في الوعيد ) يعني حذف صلة قوله : « إني عامل » للتعميم وليذهب ذهن السامع كل مذهب فيما يغيظهم ويفرق شملهم ويبطل كيدهم ، وللإشعار بأن حاله لا يقف على حد فإنه لو ذكر « على مكانتي » لربما يتوهم أن له حالة واحدة يستقر هو عليها ، فلما لم يذكر ذلك فهم أن حاله لا تقف على حد يتمكن الواصف من وصفه بل إنها لا تزال على الترقي ساعة فساعة إلى أن تنتهي إلى أقصى غايات الكمال . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون قوله : « على مكانتي » مرادا حذف لما ذكره رتب قوله :فَسَوْفَ تَعْلَمُونَالخ على قوله :إِنِّي عامِلٌعلى وجه التهديد والإيعاد بكونه منصورا عليهم في الدارين . فلو لم يكن الكلام السابق مشعرا بما يستلزم كونه عليه الصلاة والسّلام منصورا عليهم في الدارين لما صح تفريعه عليه . ثم إنه تعالى لما بالغ في إرشاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى طريق دعوة المشركين إلى التوحيد والطاعة وبيّن فساد مذهبهم تارة بالدلائل والبينات وتارة بضرب الأمثال وتارة بذكر الوعد والوعيد وكلما زاد اللّه تعالى بيانا وإرشادا زاد المشركون طغيانا وضلالا وكان ذلك يعظم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان شديد التأسف والتلهف على إصرارهم على الضلال المؤدي إلى العذاب الأبدي كما قال تعالى :لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[ الشعراء : 3 ] أنزل اللّه قوله :إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِالآية تسلية له عليه الصلاة والسّلام كأنه قيل : إنك لست مأمورا بأن تحملهم على الإيمان على سبيل القسر والقهر بل القبول وعدم القبول مفوض إليهم فمن اهتدى به فنفعه يعود إليه ومن ضل فضرر ضلاله لا يعود إلا عليه .