الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة . فعبّر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها وبالإبصار عن المعارف لأنها أقوى مباديها . وفيه تعريض بالبطلة الجهال أنهم كالزمنى والعميان .
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ
جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها هي .
ذِكْرَى الدَّارِ
( 46 ) تذكرهم للآخرة دائما ، فإن خلوصهم في الطاعة بسببها وذلك لأن مطمح نظرهم فيما يأتون به ويذرون جوار اللّه تعالى والفوز بلقائه وذلك في الآخرة وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقية والدنيا معبر . وأضاف هشام ونافع
شرح
القوة . والظاهر أن المصنف قرر قراءة الجمهور فيكون قوله : « أولى القوة » في تفسير قوله تعالى :أُولِي الْأَيْدِيبناء على أنه جعل الأيدي جمع اليد وجعل اليد عبارة عن القوة لا عن نفس الجارحة المخصوصة ، لأن كل أحد كذلك فلا يصلح للمدح ، وإنما عبر عن القوة باليد لأنها سبب التقوى على أكثر الأعمال وبها يحصل البطش والقوة . والإبصار حمل على بصر القلب ويسمى البصيرة وهي القوة التي يتمكن بها الإنسان على إدراك المعقولات ، وتخصيص المعقولات بما يتعلق بالدين مستفاد من خصوصية الموصوف بأولي الأبصار . وفيه تعريض بالزمخشري حيث قال : وتفسير الأيد بطرح الياء بالقوة قلق غير متمكن أي لا يستقر مع عطف الإبصار عليه ، فإنه لا يناسب اليد بمعنى القوة وإنما يناسب اليد بمعنى الجارحة المستعملة في القوة مجازا لعطف الإبصار عليه . وكان المعنى : أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين ، فلم يتمكن عطف الإبصار على الأيد بمعنى القوة لذلك المعنى . قوله :
( لأن أكثرها بمباشرتها ) أي أكثر الأعمال لا يتأتى بدون اليد فتكون اليد من لوازمها ويكون ذكر الأيدي كناية عنها ، لأن اليد سبب وآلة لها فتكون مجازا مرسلا كما في الوجه الأول .
قوله : ( بخصلة خالصة ) أي صافية لا يشوبها غيرها . وهو إشارة إلى أن خالصة صفة لمحذوف يبينه « ذكرى الدار » على أنه خبر مبتدأ محذوف يرجع إليها وأن « الذكرى » مصدر بمعنى التذكر الذي هو نقيض النسيان أي وتلك الخصلة الصافية استغراقهم في ذكر الآخرة واشتغالهم بذكرها عن ذكر الدنيا . فإن قيل : كيف يكونون خالصين للّه وهم مستغرقون في الطاعة ، وفيما هو سبب لها وهو تذكر الآخرة ؟ أجاب عنه المصنف بأن استغراقهم في تذكر الآخرة ليس إلا لاستغراقهم في الشوق إلى لقاء اللّه تعالى على وجه يرضى عنهم ويرضون عنه ، ولما لم يكن ذلك إلا في الآخرة استغرقوا في تذكرها والاشتغال بما يؤدي إلى لقائه على ذلك الوجه وهو خلوصهم في الطاعة .
قوله : ( وإطلاق الدار ) مع أن المراد الدار المقيدة بكونها آخرة للإشعار بأن حقيقة الدار منحصرة فيها لا يتبادر الذهن عند إطلاق اسم الدار إلى غيرها ، وذكر لإضافة « خالصة » إلى « ذكرى » وجهين : الأول أنها إضافة بيانية أي من قبيل إضافة الشيء إلى ما يوضحه ويبينه فإن