الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما ولأن فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم حيث جعل المعادل للاستفهام عن التقسيم .
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ
( 150 ) وإنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا يعلم إلا به ، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم ليمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يبتون به كأنهم قد شاهدوا خلقهم .
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ
لعدم ما يقتضيه وقيام ما ينفيه
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 152 ) فيما يتدينون به . وقرىء « ولد اللّه » أي الملائكة ولده فعل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد
شرح
الاستفهام للإنكار التوبيخي بمعنى أخلقنا الملائكة إناثا وهم حاضرون خلقنا إياهم ؟ وجاز أن تكون متصلة معادلة للهمزة حيث كانت التي قبلها معادلة للهمزة معها بمعنى أي التي لطلب التعيين ، كأن المستفهم يدعي ثبوت أحد الأمرين عنده ويطلب تعيينه منهم قائلا : أي هذين الأمرين تدعون ؟ أحدهما أن تثبتوا لرب العالمين ما تستنكفون منه ولكم ما تشتهون ، وثانيهما أن تكون الملائكة إناثا وأنكم حضرتم خلقنا الملائكة فرأيتم أنّا خلقناهم إناثا . فإذا لم يمكنهم تعيين واحد منهما حصل تبكيتهم وظهر بطلان قولهم : نقل عن المفسرين أنهم قالوا :
إن قريشا وأحياء من العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا : الملائكة بنات اللّه تعالى ، وهذا الكلام يشتمل على أمرين : أحدهما إثبات أن الملائكة بنات اللّه وهو باطل وثانيهما أنهم إناث وهذا أيضا باطل ، لأن طريق العلم إما الحس السليم وإما الخبر الصادق وإما نظر العقل ، وكل ذلك مفقود . أما الحس فظاهر إذ لم يشاهدوا كيف خلق اللّه الملائكة وهو المراد بقوله تعالى :أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَوقوله : ليمكن معرفته بالعقل الصرف فإن ثبوت لوازم الماهية لها لما لم يكن مشروطا بخصوصية أحد الوجودين وكانت ثابتة لها حال وجودها في العقل أيضا ، أمكن معرفة ثبوتها لها بالعقل الصرف ، والأنوثة من اللوازم الخارجية فلا يمكن معرفة ثبوتها وعروضها إلا بالمشاهدة ، وكذلك الخبر الصادق لأن الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم دليل ، وهو المراد بقوله تعالى :أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَوأما النظر فبأن نطالبهم بالدليل الدال على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا ما يدل عليها ظهر بطلان مذهبهم وهو المراد بقوله تعالى :أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .قوله :
( لاختصاص هذه الطائفة بهما ) أي لتفردها بهما وهو تعليل لوجه القصر . وقوله : « حيث جعل المعادل » بيان أنه تعالى قصر الإنكار عليهم وقوله : « لعدم ما يقتضيه » تعليل لكون قولهم :
ولدا للّه ناشئا عن الإفك ، وهو صرف الكلام عن الحق إلى الباطل . قوله : ( وقرىء ولد اللّه ) بإضافة الولد إلى الجلالة على أنه خبر مبتدأ محذوف حذف للعلم به أي يقولون الملائكة