إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
يحتمل الأوثان وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم ، لما روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما تلا الآية على المشركين قال له ابن الزبعري : قد خصمتك ورب الكعبة ، أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة ؟ فقال عليه الصلاة والسّلام : « بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك » . فأنزل اللّه
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
[ الأنبياء : 101 ] الآية وعلى هذا يعم الخطاب ويكون « ما » مؤولا ب « من » أو بما يعمه ويدل عليه ما روي أن ابن الزبعري قال : هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون اللّه ؟ فقال عليه الصلاة والسّلام : « بل لكل من عبد من دون اللّه » . ويكون قوله : « إن الذين » بيانا للتجوز أو التخصيص تأخر عن الخطاب
حَصَبُ جَهَنَّمَ
شرح
إنما يحصل يوم القيامة ، والشرط والجزاء لا بد أن يكونا متقارنين ، فالجواب أن التفاوت القليل يجري مجرى العدم . قوله : ( يحتمل الأوثان ) أي يعمها ادّعى أن ما يعم العقلاء وغيرهم واستدل عليه بأنه عليه الصلاة والسّلام لم يرد على ابن الزبعري في تعميمه ما تعبدون للعقلاء بل سلم له ذلك وأجابه بوجه آخر ، إلا أن جوابه محل تأمل لأنه لا ينفي كون اليهود وأخواتهم عبدوا هؤلاء المكرمين وإنما يدل على أنهم عبدوا الشياطين بإطاعتهم الشيطان فيما أمرهم به من عبادة هؤلاء المكرمين ، فكيف صلح جوابا عن قول ابن الزبعري ؟
ويمكن أن يقال : من عبد من غير أن يستحق العبادة لذاته ومن غير أن يأمر بها ويحب ويرضى أن يعبد لا يكون معبودا في الحقيقة ، وإنما يكون معبودا صورة ومجازا ويكون المعبود في الحقيقة من أمر بذلك ، لأن العبادة عبارة عن الطاعة والانقياد وليس ذلك إلا لمن أمر بها . فلذلك نفى عليه الصلاة والسّلام دخول هؤلاء المكرمين تحت قوله :وَما تَعْبُدُونَفقال : « بل هم عبدوا الشياطين » . قوله : ( وعلى هذا ) أي على تقدير أن يحمل « ما تعبدون من دون اللّه » على ما يعم الأوثان وغيرها يكون الخطاب في قوله تعالى :إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَمتناولا للمشركين وغيرهم كاليهود والنصارى وبني مليح وهم بطن من خزاعة قالوا : صاهر اللّه تعالى سروات الجن فولدت له الملائكة بخلاف ما إذا حمل ما تعبدون على الأصنام خاصة ، فإن الخطاب يخص المشركين .
قوله : ( أليس اليهود عبدوا عزيرا ) لا وجه لسؤال ابن الزبعري لأن كلمة « ما » تتناول من يعقل فقوله تعالى :وَما تَعْبُدُونَلا يتناول الملائكة فإن الملائكة من العقلاء بل يقتصر على الأصنام لكنه عليه الصلاة والسّلام جاراه وألزمه بوجه آخر تنبيها على أن لدفع شبهته طرقا متعددة . قوله : ( بيانا للتجوز أو التخصيص تأخر عن الخطاب ) الأول على تقدير أن يكون المقصود من قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى[ الأنبياء : 101 ] بيان