العلو والكبرياء ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه .
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يريد به تقرير قوله :
« لا يَمْلِكُونَ »
قُلِ اللَّهُ
إذ لا جواب سواه وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الإلزام فهم مقرون به
شرح
قالوا : ماذا قال ربكم قالوا الحق » . وقال عليه الصلاة والسّلام : « إذا أراد اللّه أن يوحي بالأمر ويكلم بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة أخذت السماوات منها رجفة ، أو قال رعدة شديدة ، خوفا من اللّه تعالى ، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا للّه سجدا . فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه الصلاة والسّلام فيكلمه من وحيه بما أراده ثم يمر جبريل عليه الصلاة والسّلام على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل : قال الحق وهو العلي الكبير ، فتقول الملائكة كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره اللّه تعالى » . وقيل : إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة وذلك أنه كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام خمسمائة وخمسين سنة وقيل : ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيا ، فلما بعث اللّه تعالى محمدا عليه الصلاة والسّلام كلم جبريل بالرسالة إلى محمد عليه الصلاة والسّلام فلما سمعت الملائكة ذلك ظنوا أنها الساعة لأن بعثته عليه الصلاة والسّلام كانت من أشراط الساعة عند أهل السماوات فصعقوا مما سمعوا خوفا من قيام الساعة ، فلما انحدر جبريل جعل يمر بأهل كل سماء فيكشف عنهم الفزع فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض :ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُواقالالْحَقَّيعني الوحيوَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُقرأ الجمهور « فزع » بضم الفاء وكسر الزاي . وقرأ ابن عامر بفتحهما معا على بناء الفاعل وهو اللّه تعالى . وقرى ء « فرغ » بالغين المعجمة من فرغ الماء بكسر الراء يفرغ بفتحتها فراغا أي فني وانصب « والحق » منصوب ب « قال » مضمرة أي قالوا : قال ربنا الحق أي القول الحق ، ومن رفعه جعله خبر مبتدأ محذوف أي مقولة الحق .
قوله : ( إذ لا جواب سواه ) علة لأمره تعالى إياه عليه الصلاة والسّلام بأن يتولى الجواب بنفسه بعد ما أمره عليه الصلاة والسّلام بأن يحملهم على الإقرار بأن من يرزقهم المطر من السماوات ومن يرزقهم النبات من الأرض هو اللّه تعالى ، فإن قوله : « من يرزقكم » استفهام تقرير وكون السؤال والجواب من واحد يشعر بتعين الجواب فإنهم لو أجابوا لا يمكنهم أن يجيبوا إلا به ، فإنه إذا اتضح الأمر وتعين الجواب لا يحتاج إلى أن ينطقوا به بألسنتهم والتلعثم في الأمر التمكث فيه والتأني ، والذي حملهم على السكوت عن الجواب أو التلعثم فيه مخافة الإلزام أنهم لو أجابوا وقالوا : رازقنا هو اللّه وحده توجه إليهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون الذي تفرد في ترزيقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على أن يرزقكم ؟