عنه .
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا
أي هؤلاء لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا وقد انهزموا ففروا إلى داخل المدينة .
وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ
كرة ثانية
يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ
تمنوا أنهم خارجون إلى البدو وحاصلون بين الأعراب
يَسْئَلُونَ
كل قادم من جانب المدينة
عَنْ أَنْبائِكُمْ
عما جرى عليكم
وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ
هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال
ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا
( 20 ) رياء وخوفا من التعيير .
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد أو هو في نفسه قدوة يحسن التأسي به كقولك :
في البيضة عشرون منا حديدا أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد . وقرأ عاصم بضم
شرح
قوله : ( ففروا إلى داخل المدينة ) عطف على « يظنون » ولفظ الماضي للمبالغة في بيان جبنهم فكأن طائفة منهم فروا عقيب انهزام الأحزاب بناء على ظن أنهم لم يذهبوا ولم ينهزموا . قوله تعالى :( بادُونَ )جمع باد وهو المقيم بالبادية يقال : بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى البادية وقوله : « يسألون » يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا من فاعل « يحسبون » والعامة على سكون السين بعدها همزة . ونقل عن أبي عمرو وعاصم نقل حركة الهمزة إلى السين وحذفها كقوله :سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ[ البقرة : 211 ] وقرىء « يساءلون » بتشديد السين والأصل يتساءلون فأدغم أي يسأل بعضهم بعضا عجبا مما فعل محمد وأصحابه وما فعل بهم فيتعرفون حالكم لا بالمشاهدة . قوله : ( خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها ) إشارة إلى أن الإسوة بكسر الهمزة وضمها وإن كان اسما موضوعا موضع المصدر وهو الائتساء بمعنى الاقتداء إلا أنه استعمل ههنا بمعنى ما من حقه أن يؤتسى به . قرأ عاصم « أسوة » بضم الهمزة حيث وقعت هذه اللفظة والباقون بكسرها وهما لغتان كالقدوة والقدوة لفظا ومعنى . يقال :
ائتسى فلان بفلان أي اقتدى به . وظاهر المفهوم لقد كان لكم فيه قدوة أي اقتداء والمراد لقد كان لكم فيه ما من حقه أن يقتدى به . وأسوة اسم « كان » وفي الخبر وجهان : أحدهما هو « لكم » و « في رسول اللّه » متعلق بما تعلق به « لكم » أو بمحذوف على أنه حال من « أسوة » إذ لو تأخر لكان صفة ، وثانيهما أن الخبر هو « في رسول اللّه ولكم » على ما تقدم في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : ( أو هو في نفسه قدوة ) على أن تكون كلمة « في » تجريدية وتجرد من نفسه الزاكية ما هو قدوة كما في قوله تعالى :لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ[ فصلت : 28 ] مع أن الجنة في نفسها دار الخلد جرد منها أخرى مثلها في كونها دار الخلد . والمراد بالأسوة الحسنة الثابتة في رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام الثبات في الحرب ونصرة دين اللّه والصبر على ما يصيبه من الشدائد والمكاره كما فعل عليه الصلاة والسّلام ، إذ كسرت رباعيته وجرح وجهه الكريم