تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
كانت عادته
مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها
في أصلها التي هي أعمالها لأن أهلها يكون أفطن وأنبل .
رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا
لإلزام الحجة وقطع المعذرة
وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
( 59 ) بتكذيب الرسل والعتو في الكفر .
وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ
من أسباب الدنيا
فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها
تتمتعون وتتزينون به مدة حياتكم المنقضية
وَما عِنْدَ اللَّهِ
وهو ثوابه
خَيْرٌ
في نفسه من ذلك لأنه لذة خالصة وبهجة كاملة .
وَأَبْقى
لأنه أبدى
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 60 ) فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير . وقرأ أبو عمرو بالياء وهو أبلغ في الموعظة .
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً
وعدا بالجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود .
فَهُوَ لاقِيهِ
مدركه لا محالة لامتناع الخلف في وعده . ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى
شرح
على تضمينه معنى كفرت ، أو جهلت أي كفرت نعمتها ، أو جهلت شكر معيشتها تم حذف المضاف . قوله : ( التي هي أعمالها ) أي توابعها وسوادها وضمير « هي » يرجع إلى « القرى » . قوله : ( لأن أهلها ) أي أهل أم القرى يكون أفطن وأنبل أي أكثر فطنة ونبالة ، وهي الفضل والشرف يقال نبل فلان فهو نبيل أي شرف فهو شريف . فإن الرسل إنما تبعث غالبا إلى الأشراف وهم غالبا يسكنون المدن والمواضع التي هي أم ما حولها ، فلذلك خصت أم القرى ببعثة الرسل فيها . ووجه اتصال قوله تعالى :وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًابما قبله أنه تعالى لما قال :وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهاتوجه أن يقال : لم لم يهلك اللّه تعالى الكفار قبل بعثة الرسل عليهم السّلام مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والبطر ؟ وأن يقال : ولم لم يهلكهم بعد بعثته عليه الصلاة والسّلام مع استغراقهم في الكفر باللّه تعالى وتكذيب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ومعاداته ؟ فأجاب اللّه تعالى عن الأول بقوله :وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًاإلزاما للحجة وقطعا للمعذرة ، وعن الثاني بقوله :وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَأي أنفسهم بالشرك . وأهل مكة ليسوا كذلك فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم اللّه تعالى منهم أنهم سيؤمنون ، وآخرون علم اللّه تعالى أنهم وإن لم يؤمنوا لكن يخرج من نسلهم من يكون مؤمنا . اعلم أن اللّه تعالى رد أولا على الذينوَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا[ القصص : 57 ] بقوله :أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناًثم بيّن أن الأمر بالعكس ، ثم شرع في إزاحة شبهتهم بوجه آخر فقال :وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيالأن حاصل شبهتهم إن قالوا تركنا الدين لئلا تفوت منا الدنيا فبيّن اللّه تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند اللّه خير وأبقى . قوله : ( وهو أبلغ في الموعظة ) لأن الالتفات من الخطاب إلى الغيبة يدل على أن حقهم أن يولي عنهم وأن لا يتوجه إليهم بالخطاب كأنهم منسلكون في سلك المجانين خارجون عن حد العقل