ووصفهم باستحكام علمهم في أمر الآخرة تهكما بهم . وقيل : أدرك بمعنى انتهى واضمحل من قولهم : أدركت الثمرة لأنها تلك غايتها التي عندها تعدم وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم « بل ادارك » بمعنى تتابع حتى استحكم أو تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك . وأبو بكر « أدرك » وأصلهما تفاعل وافتعل .
وقرىء « أدرك » بهمزتين و « آأدرك » بألف بينهما و « بل أدرك » و « بل أتدارك » و « بلى أدرك » و « بلى أأدرك » و « أم أدرك » و « أم تدارك » . وما فيه استفهام صريح أو مضمن من ذلك فإنكار ، وما فيه « بلى » فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإدراك على التهكم وما بعده إضراب عن التفسير مبالغة في نفيه ودلالة على أن شعورهم بها أنهم شاكون فيها ، بل إنهم منها
شرح
في بيان المناسبة بين الآيتين . ووجه الإضراب الأول أن المراد على هذا الوجه التهكم وقوله :بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْهو علمهم بأنهمأَيَّانَ يُبْعَثُونَوأن القيامة شيء يقع . وأما على الوجه الأول ففي الآية نفي أنهم لا يعلمون أن البعث كائن مع كثرة الدلائل عليه .
قوله : ( وقيل أدرك بمعنى انتهى واضمحل ) عطف من حيث المعنى على قوله : « بيّن أن ما انتهى وتكامل » الخ فإنه يتضمن تفسير الإدراك بالتكامل والاستحكام ، وعلى هذا التفسير لا حاجة إلى تقدير المضاف . ثم فسر قراءة « ادارك » بوجهين أيضا : أحدهما تدارك وتتابع حتى استحكم وثانيهما تتابع في الهلاك حتى انقطع .
قوله : ( وأبو بكر أدرك ) عطف على قوله « نافع » فهذه القراءة أيضا من السبعة على رواية أبي بكر عن عاصم . ثم ذكر ثماني قراءات من الشواذ ثنتان « بأم » وثنتان أخريان « ببلى » والباقية « ببل » . وصحح الزمخشري قراءة « بل أدرك » بقوله : بالتخفيف والنقل أي بتخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ، وأصله ما قرأ به ابن كثير وأبو عمرو . ثم ذكر قراءة أخرى بقوله : « بل أدرك » بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على سبيل الاستفهام . انتهى كلامه . فيكون أصله « أدرك » على وزن افتعل دخل عليه همزة الاستفهام فسقطت همزة الوصل فصار أدرك بهمزة مفتوحة بعدها دال مشددة ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام فصار « بل أدرك » . ولم يذكر المصنف هذه القراءة بل ذكر إحدى عشرة قراءة ثم شرع في بيان معانيها فقال : « وما فيه استفهام صريح أو مضمن » كما في قراءة « أم أدرك » و « أم تدارك » فإن « أم » فيهما بمعنى « بل » والهمزة فإنكار لإدراك علمهم أي لانتهائه وتكامله . قوله : ( وما فيه بلى فإثبات لشعورهم ) فإنه لما قيل : بلى أدرك بعد قوله :وَما يَشْعُرُونَكان معناه بلى يشعرون . ثم فسر الشعور بإدراك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم فكأنه قال : شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون فقوله : « وتفسير له » إنما هو على قراءة « بلى أدرك » بغير همزة الاستفهام .