يوم الدين . ولذلك ما من أمة إلا وهم محبون له مثنون عليه . أو صادقا من ذريتي يجد أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه ، وهو محمد صلوات اللّه وسلامه عليه
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
( 85 ) في الآخرة . وقد مر معنى الوراثة فيها .
وَاغْفِرْ لِأَبِي
بالهداية والتوفيق للإيمان .
إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
( 86 ) طريق الحق . وإن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه أنه كان يخفي الإيمان تقية من نمرود ولذلك وعده القيامة
شرح
باللسان لكون اللسان سببا في ظهوره وانتشاره وبقاء الذكر الجميل على ألسنة العباد إلى آخر الدهر دولة عظيمة من حيث كونه دليلا على رضى اللّه ومحبته للعبد . فإنه تعالى إذا أحب عبدا يلقي محبته إلى أهل السماوات والأرض فتحبه الخلائق كافة حتى الحيتان في البحر والطيور في الهواء . قوله : ( أو صادقا من ذريتي ) فيكون ذكر اللسان من قبيل تسمية الكل باسم جزئه فتكون الآية نظير قوله تعالى حكاية عنه عليه الصلاة والسّلام :رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[ البقرة : 129 ] وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « سأخبركم بأول أمري أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام » . قوله : ( وقد مر معنى الوراثة فيها ) وهو أن تشبه الجنة التي استحقها العامل بعد فناء عمله بالميراث الذي استحقه الوارث بعد فناء مورثه ، فيطلق عليها اسم الميراث وعلى استحقاقها اسم الوراثة وعلى العامل اسم الوارث . قوله : ( واغفر لأبي بالهداية والتوفيق للإيمان ) فإنه يجوز الاستغفار للأحياء من المشركين لأن المغفرة مشروطة بالإيمان وطلب المشروط يتضمن طلب شرطه ، فيكون الاستغفار لأحيائهم كناية عن طلب توفيقهم للإيمان ، والذين لا يجوز هذا الاستغفار لهم هم من تبيّن أنهم أصحاب الجحيم بأن ماتوا على الكفر .
وإن كان هذا الاستغفار منه بعد موت أبيه كان لظنه أنه قد آمن باطنا وإن كان على دين نمرود ظاهرا خوفا منه ، ولظنه هذا قد وعد أباه أن يستغفر له فلعله حيث قال :لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ[ الممتحنة : 4 ] وإن جاز أن يكون معناه : لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله ولا وجه لأن يقال قوله ولذلك وعده به معناه أن أباه وعد إبراهيم بالإيمان ، لأنه روي أن أباه وعده به يوم فارقه إلا أنه لا يناسب هذا المقام . قال الإمام : إن أباه قال له إنه كان على دينه باطنا وعلى دين نمرود ظاهرا تقية وخوفا ، فدعا له بالمغفرة لاعتقاده أن الأمر كذلك .
فلما تبيّن له خلاف ذلك تبرأ منه ولذلك قال في دعائه :إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَفلو لا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما قال ذلك . انتهى . وحاصله أنه دعا لأبيه حال حياته بالمغفرة على اعتقاد أنه مؤمن باطنا وأن قوله :إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَمعناه أنه كان فيما مضى من المشركين ، وعلى تقدير كون معنى الاستغفار لأبيه طلب توفيقه للإيمان يكون معنى