وقوله :
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
( 79 ) على الأول مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه وكذا اللذان بعده . وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أن كل واحدة من الصلات مستقلة باقتضاء الحكم .
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
( 80 ) عطفه على
« يُطْعِمُنِي »
و
« يَسْقِينِ »
لأنه من روادفهما من حيث إن الصحة والمرض في الأغلب يتبعان المأكول والمشروب ، وإنما لم ينسب المرض إليه لأن مقصوده تعديد النعم . ولا ينتقض بإسناد الإماتة إليه فإن الموت من حيث إنه لا يحس به لا ضرر فيه إنما الضرر في مقدماته وهي المرض . ثم إنه لأهل الكمال وصله إلى نيل المحاب التي
شرح
قوله تعالى :( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ )أضاف الإطعام إلى ولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الإنعام ، وليس الإطعام والسقي عبارتين عن مجرد خلق الطعام والشراب له وتمليكهما إياه ، بل يدخل فيهما إعطاء جميع ما يتوقف الانتفاع بالطعام والشراب عليه كالشهوة وقوة المضغ والابتلاع والهضم والدفع ونحو ذلك ، واقتصر على ذكر الطعام والشراب من جملة ما يتوقف عليه انتظام حاله في الدنيا ونبّه بذكرهما على ما عداهما . قيل :
تقديم كلمة « هو » في هذه الصلات دليل على أنه لا يهدي ولا يطعم ولا يسقي ويمرض ولا يشفي إلا اللّه وحده ، وذلك أنهم كانوا يقولون المرض من الزمان والأغذية والشفاء من الأطباء والأدوية ، فأعلم إبراهيم أن المؤثر في جميع ذلك ليس إلا رب العالمين .
قوله : ( إن الصحة والمرض في الأغلب يتبعان المأكول والمشروب ) فإن البطنة تورث الأسقام والأوجاع والحمية أصل الراحة والسلامة . وعليه بنى الشاعر قوله :عدوك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرون من الصحابفإن الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشرابوقالت الحكماء : لو قيل لأكثر الموتى ما سبب انقطاع آجالكم ؟ لقالوا : التخم . وفي الحكمة : ليس للبطنة خير من خمصة تتبعها . قوله : ( وإنما لم ينسب المرض إليه ) ولم يقل :
وإذا أمرضني مع أن المرض والشفاء كلاهما من اللّه تعالى ، لأن مقصود إبراهيم تعديد النعم ، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إليه تعالى . ولما ورد على هذا الجواب أن يقال : الإماتة أشد من المرض وقد أسندها عليه الصلاة والسّلام إليه تعالى حيث قال :وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِأجاب عنه بأنا لا نسلم أنها أشد من المرض بل ليس فيها ضرر أصلا لأن الضرر ما يتأذى الإنسان بإحساسه وحال حصول الموت لا يقع الإحساس به ، وإنما الضرر في مقدماته وهي عين المرض ثم ترقى في الجواب وقال : بقاء النفوس الزكية والأرواح الطاهرة الكاملة في العلوم والأخلاق المرضية في هذه الأجساد عين الضرر في