تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
يستحقر دونها الحياة الدنيوية وخلاص من أنواع المحن والبلية ، ولأن المرض في غالب الأمر إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وبما بين الأخلاط والأركان من التنافي والتنافر . والصحة إنما تحصل باستحفاظ اجتماعها والاعتدال المخصوص عليها قهرا وذلك بقدرة العزيز الحكيم .
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
( 81 ) في الآخرة .
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
( 82 ) ذكر ذلك هضما لنفسه وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر وطلب لأن يغفر لهم ما يفرط منهم ، واستغفارا لما عسى يندر منه من الصغائر وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث
إِنِّي سَقِيمٌ
[ الصافات : 89 ]
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
[ الأنبياء : 63 ] وقوله : هي أختي ، ضعيف لأنها معاريض وليست خطايا .
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
كمالا في العلم والعمل استعد به خلافة الحق ورياسة الخلق .
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
( 83 ) ووفّقني لكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح الذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره .
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
( 84 ) جاها وحسن صيت في الدنيا يبقى أثره إلى
شرح
حقهم فخلاصهم منها عين السعادة لهم ، بخلاف المرض فكان نعمة عظيمة في حقهم فلذلك أضافه إليه تعالى . قوله : ( ولأن المرض ) عطف على قوله : « لأن مقصوده تعديد النعم » أي لم ينسب المرض إليه تعالى لكونه في غالب الأمر يحدث بتقصير الإنسان ، ولما كان للإنسان سببية ظاهرة في حدوث المرض نسب إليه وإن كان الكل من عند اللّه . وأيضا لما كان حدوث المرض باستيلاء بعض الأخلاط على بعض من حيث إنها كانت مكيفة بكيفيات متضادة كان بينها تنافر طبعا ، وذلك التنافر يستدعي استيلاء بعضها على بعض المستلزم لبطلان الاعتدال النوعي وسوء المزاج هو المرض ، فكان حدوث المرض مستندا إلى الإنسان وتنافر أخلاطه فلذلك أسند إليه بخلاف الصحة فإنها إنما تحصل عند بقاء الأخلاط على الاجتماع على الوجه الخاص المسمى بالاعتدال النوعي وذلك الاجتماع والاعتدال ، وكذا عود الأخلاط إليهما بعد طريان سوء المزاج إنما يكون بسبب قاهر يقهرها عليهما من حيث إنها بطباعها مائلة إلى التفرق واستيلاء بعضها على بعض ، والسبب القاهر هو اللّه فلذلك أسندت الصحة والشفاء إليه وأسند المرض إلى العبد . قوله : ( قهرا ) منصوب على المصدرية لقوله : « باستحفاظ » لأنه نوع من الحفظ والاستحفاظ أبلغ من الحفظ ، فإن استفعل قد يكون بمعنى فعل نحو : طاف واستطاف . قوله : ( كمالا في العلم والعمل ) أي زيادة على ما أعطيتني من الحكمة ، وهي العلم الذي يفضي إلى العمل بمقتضاه فإن من يعلم شيئا ولا يأتي بما يناسب علمه لا يقال له حكيم . قوله : ( وحسن صيت ) الصيت الذكر الجميل الذي ينشر في الناس دون القبيح . عبّر عن الثناء الحسن والقبول العام في الأمم التي تجيء بعده إلى يوم