جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً
أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه أو بأن يعتقبا كقوله :
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ البقرة : 164 ؛ آل عمران : 190 ؛ الجاثية : 5 ] وهي للحالة من خلف كالركبة والجلسة
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
أن يتذكر آلاء اللّه ويتفكر في صنعه ، فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد .
أَوْ أَرادَ شُكُوراً
( 62 ) أن يشكر اللّه على ما فيه من النعم أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته ، ورده في أحدهما تداركه في الآخر . وقرأ
شرح
يريد ماء بردى وهو نهر بدمشق فحذف المضاف وأقيم بردى مقامه وبقي حكم المضاف فيه وهو مؤنث حيث ذكر ضمير يصفق ، والتصفيق الخلط والمزج . ويحتمل أن يكون القمر بمعنى القمر ويؤيده توحيد الصفة بلا تكلف الحذف . قوله : ( أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر ) يعني أن الخلفة مصدر للنوع فلا يصلح أن يكون مفعولا ثانيا لجعل الليل أو حالا من مفعوله ، فإن خلفة لا يخلو من أن يكون مفعولا ثانيا أو حالا الأول على أن يكون جعل بمعنى صير والثاني على أن يكون بمعنى خلق ، فلا بد من تقدير المضاف على التقديرين أي ذوي خلفة . ثم إن خلفة يستعمل بمعنيين بمعنى : كان خليفته أو بمعنى جاء بعده يقال : خلفه في قومه خلافة ومنه قوله تعالى :وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي[ الأعراف : 142 ] ويقال أيضا : خلفته إذا جئت بعده والخلفة في الآية يحتمل أن تكون من خلفه بكل واحد من المعنيين وهو قول المصنف « يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه أو بأن يعتقبا » ويؤيد الأول قول ابن عباس : إنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه ، فمن فرط في عمل أحدهما بأن فات عليه العمل الذي اتخذه وردا قضاه في الآخر . وما روي عن أنس بن مالك أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر بن الخطاب وقد فاتته قراءة القرآن بالليل : « يا ابن الخطاب لقد أنزل اللّه فيك آيةوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ »أي ما فاتك من النوافل بالليل فاقضه في نهارك وما فاتك في النهار فاقضه في ليلك . وإن كان المعنى جعلهما ذوي اعتقاب يكون المقصود بيان أنه تعالى جعلهما مختلفين يجيء هذا ويذهب ذاك ويجيء ذاك ويذهب هذا ، ولم يجعل واحدا منهما سرمدا نهارا لا ليل له ولا ليلا لا نهار له ليعلم الناس عدد السنين والحساب ، وليكون للانتشار في المعاش وقت معلوم وللاستقرار والاستراحة وقت معلوم . فيكون في الآية تذكير لنعمته وتنبيه على كمال حكمته وقدرته . قوله : ( أن يشكر اللّه تعالى ) يعني أن الشكور بضم الشين مصدر بمعنى الشكر وبالفتح مبالغة الشاكر فقولك : شكر شكورا بمعنى شكر شكرا أي جعلناهما خلفة ليتفكر المتفكرون في اختلافهما ويشكروا نعمة اللّه في ذلك . وقوله : « أو ليكونا وقتين » عطف على هذا المعنى أي جعلناهما خلفة ليكونا وقتي تدارك للمتذكرين