تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
حولهم من الأنعام غنية عن سقيا السماء ، وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالبا مع أن مساق هذه الآيات كما هو للدلالة على عظم القدرة فهو لتعداد أنواع النعمة . والأنعام قنية الإنسان وعامة منافعهم وعلية معايشهم منوطة بها ، ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها . وقرىء « نسقيه » بالفتح وسقى وأسقى لغتان وقيل : أسقاه جعل له سقيا . وأناسي بحذف ياء وهو
شرح
ويقال : سقيته أسقيه وأسقيت ماشيته وأرضه والاسم السقي بالكسر . وقوله تعالى :مِمَّا خَلَقْنايجوز أن يتعلق بقوله :نُسْقِيَهُأي نسقي ذلك الماء بعض خلقنا من الأنعام والأناسي وانتصابهما على البدل من محل الجار والمجرور في قوله :مِمَّا خَلَقْناويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من إنعاما ولعل قوله : « يعني أهل البوادي » مبني على الأول وقوله : « وتخصيصهم » جواب عما يقال : كيف خص أهل البوادي بالإسقاء مع أن أهل المدن والقرى يحتاجون إلى الشرب ؟ قوله : ( وسائر الحيوانات ) أي ما عدا الأنعام من الوحوش والطيور وإن كانت تعيش بالماء لكنه تعالى خص الأنعام بالذكر ، لأن سائرها لا يعوزه الشرب ولا يكون عاجزا عن نيله غالبا يقال : أعوزه الشيء إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه . قوله : ( مع أن مساق هذه الآيات ) وجه ثان لتخصيص الأنعام بالذكر مع استوائها بسائر الحيوانات في الاحتياج إلى الشرب . وحاصله : أن ليس المقصود مجرد بيان الحكمة في إنزال الماء بل المقصود تعداد ما يكون نعمة في حق نوع الإنسان فلذلك خصت الأنعام بالذكر لأنها قنية الإنسان أي يقتنيها ويتخذها لنفسه لا للتجارة . الجوهري : قنوت الغنم وغيرها قنوة وقنوة وقنيت أيضا قنية وقينة إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة . وعليه جمع على بمعنى شريف ورفيع مثل صبية جمع صبي . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون علية ما يتعيشون به هي الأنعام قدم سقيها على سقيهم ، كما قدم على الأنعام إحياء الأرض فإن الأرض وحياتها سبب لحياة الأنعام وتعيشها . فانظر إلى أنه تعالى كيف رتب ذكر ما هو رزق الإنسان ورزق رزقه ورزق رزق رزقه ! فإن الأنعام رزق الإنسان والنبات رزق الأنعام والمطر رزق النبات ، فقد ذكر المطر ورتب عليه ذكر حيات الأرض بالنبات ورتب عليه ذكر الأنعام . قوله : ( وأناسي ) عطف على قوله :نُسْقِيَهُأي كما قرىء « نسقيه » بفتح النون ، كذلك قرىء « أناسي » بحذف ياء أفاعيل . وذهب سيبويه إلى أن أناسي جمع إنسان أصله أناسين كسرحان وسراحين فأبدلت النون ياء وأدغم فيها الياء التي قبلها كما قيل في جمع ظربان ظرابى أصله ظرابين ، والظربان على وزن قطران دويبة كالهرة منتنة الريح تزعم الأعراب أنها تفسو في ثوب أحدهم إذا صادفها فلا تذهب رائحته حتى يبلى الثوب . وفي المثل : فسا بيننا الظربان ، وذلك إذا تقاطع القوم . وقال الفراء والمبرد والزجاج : إنه جمع إنسي . وفيه نظر لأن فعاليل إنما يكون جمعا لما فيه