تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
أي أنزل عليه كخبر بمعنى : اخبر لئلا يناقض قوله :
جُمْلَةً واحِدَةً
دفعة واحدة كالكتب الثلاثة . وهو اعتراض لا طائل تحته لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو متفرقا مع أن للتفريق فوائد منها ما أشار إليه بقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
أي كذلك أنزلناه مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه ، لأن حاله بخلاف حال موسى وداود وعيسى عليهم السّلام حيث كان أميا وكانوا يكتبون ، فلو ألقى إليه جملة تعنى بحفظه ولعله لم يستتب له ، فإن التلقف لا يتأتى إلا شيئا فشيئا ولأن نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وغوص في المعنى . ولأنه إذا أنزل منجما وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه . ولأنه إذا نزل به جبرائيل حالا بعد حال يتثبت به فؤاده . ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ ، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة وكذلك صفة مصدر محذوف والإشارة إلى إنزاله مفرقا فإنه مدلول عليه بقوله :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً
[ الفرقان : 32 ] ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة ولذلك وقف عليه فيكون
شرح
معنى « مجتمعا » . قوله : ( أي كذلك أنزلناه مفرقا ) يريد أن الكاف منصوبة المحل على الحال من مفعول فعل مقدر أو على الوصفية لمصدر فعل محذوف . ويحتمل أن تكون مرفوعة المحل على الابتداء أي الأمر كذلك ويكون قوله :لِنُثَبِّتَعلة لمحذوف أي لنثبت فعلنا ذلك وهو جواب عن شبهتهم . قوله : ( ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ ) فإنه لو نزل جملة واحدة ولم يتقدم بعض الآي على بعض في النزول لم يعلم أيها ناسخة وأيها منسوخة ، وأما إذا نزلت منجمة فحينئذ يعلم أن ما تأخر نزوله ناسخ للمتقدم . ولأنه إذا نزل مفرقا بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة بهم حصل فائدة جليلة لا تحصل على تقدير نزوله دفعة واحدة . فإنه لو نزل دفعة واحدة لما حصل إلا الدلالات اللفظية وفصاحة الألفاظ الدالة على المدلولات بخلاف ما إذا نزل نجوما فإنه ينضم إليها حينئذ القرائن الحالية ورعاية مقتضى كل واقعة وحال ، ولا شك أن انضمامها إليها يعين على البلاغة . وبالجملة إنزال القرآن مفرقا منجما فضيلة خص بها نبينا من بين سائر النبيين فإن المقصود من إنزاله أن يتخلق قلبه المنير بخلق القرآن ويتقوى بنوره ويتحلى بحقائقه وعلومه ، وهذه الفوائد إنما تكمل بإنزاله منجما حالا بعد أخرى . ألا ترى أن الماء لو نزل من السماء جملة واحدة لما كانت تربية الزروع به مثلها إذا نزل مفرقا إلى أن يستوي الزرع ؟ قوله : ( ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة ) كأنهم قالوا : لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة كنزول الكتب الثلاثة ، فيكون قوله :لِنُثَبِّتَمتعلقا بمحذوف تقديره : أنزلناه مفرقا لنثبت ، كما يتعلق به على تقدير أن يكون من كلام اللّه تعالى . وقوله :وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًامعطوف على ذلك المحذوف الذي تعلقت اللام به .