[ البقرة : 210 ]
وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
( 25 ) في ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد .
وقرأ ابن كثير و « ننزل الملائكة » وقرىء و « نزلت » و « أنزل » و « نزل » و « ننزل » و « نزل » الملائكة بحذف نون الكلمة .
شرح
كما تقول : تشققت الأرض بالنبات ، لكون طلوع النبات منها سببا لتشققها . وليس طلوع الغمام والنبات آلة للانشقاق لأن آلة الفعل يتقدم وجودها على وجود الفعل ، وليس الطلوع متقدما على الانشقاق في الوجود حتى يكون آلة له إلا أنه شبه بالآلة في كونه سببا للفعل .
والمعنى : إن السماء تفتح بغمام يخرج منها وفي الغمام الملائكة عليهم الصلاة والسّلام ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد . وقيل : الباء فيه للحال أي ملتبسة بالغمام أو عليها غمام كما يقال : ركب الأمير بسلاحه وخرج بثيابه أي وعليه سلاحه وثيابه . وقيل : الباء هنا بمعنى « عن » أي عن الغمام ومعنى انشقت الأرض عن النبات أن التربة ارتفعت عنه عند طلوعه وكذا في قوله تعالى :يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً[ ق : 44 ] فتشقق السماء عن الغمام بأن تزول السماء فيبقى الغمام فوق رؤوس الخلائق يظلهم . قال الإمام النسفي : الغمام فوق السماوات السبع وهو سحاب أبيض غلظه كغلظ السماوات السبع ويمسكه اللّه تعالى اليوم بقدرته وهو أثقل من السماوات ، فإذا أراد اللّه أن يشق السماوات ألقى ثقله عليها فانشقت فذلك قوله تعالى :تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِأي بثقل الغمام . فيظهر إلى هنا كلامه .
فعلى هذا يحتمل أن يكون قوله تعالى :هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ[ البقرة : 210 ] معناه أن يأتيهم بظلل من الغمام فإن الباء و « في » يتعاقبان كثيرا .
وروي في الخبر أنه تشقق سماء الدنيا فتنزل ملائكة سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس فيقولون لهم الخلق : أفيكم ربنا يعنون هل جاء أمر ربنا بالحساب فيقولون : لا وسوف يأتي . ثم ملائكة السماء الثانية بمثلي من في الأرض من الملائكة والإنس والجن ، ثم تنزل ملائكة كل سماء على هذا التضعيف حتى تنزل ملائكة سبع سماوات . ثم ينزل الأمر بالحساب فذلك قوله تعالى :يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًاإلا أنه قد ثبت أن الأرض بالقياس إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش وكيف تسع الأرض كل هؤلاء الملائكة والعلم عند اللّه تعالى .
قوله : ( وقرأ ابن كثير وننزل الملائكة ) أي بنونين ثانيتهما ساكنة مضارع أنزل من الإنزال ونصب « الملائكة » على أنه مفعول به فكان من حق المصدر في هذه القراءة أن يجيء على الإنزال ، إلا أنه لما كان أنزل ونزل بمعنى واحد أقيم مصدر أحدهما مقام مصدر الآخر مثل قوله تعالى :وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا[ المزمل : 8 ] وقرأ الباقون من السبعة و « نزل » بضم النون وكسر الزاي المشددة وفتح اللام ماضيا مبنيا للمفعول ورفع « الملائكة » لقيامه مقام الفاعل .