تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
شرح
قالوا : إن هذه الآية نزلت تسلية له عليه الصلاة والسّلام في اغتمامه بما سبق به لسانه سهوا من حديث الغرانيق ، إلا أن رؤساء أهل السنة والجماعة ردوا هذا القول وقالوا : هذه الرواية باطلة موضوعة ، واحتجوا عليه بالقرآن العظيم والسنة والمعقول . أما القرآن فمنه قوله تعالى :وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ[ الحاقة : 44 - 46 ] ومنه أيضا قوله تعالى :قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ[ يونس : 15 ] ومنه قوله تعالى :وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى[ النجم : 3 ، 4 ] فلو أنه عليه الصلاة والسّلام قرأ عقيب هذه الآية قوله : « تلك الغرانيق العلى » لكان قد ظهر كذب اللّه تعالى في جميع ذلك وذلك لا يقول به مسلم . وأما السنة فهو أنه روي عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال : هذا من وضع الزنادقة ، وصنف فيه كتابا . وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل وأن رواة هذه القصة مطعونون . وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ سورة النجم وسجد وسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن ولم يذكر حديث الغرانيق . وأما المعقول فما ذكره الإمام النسفي في تيسيره بقوله : والصحيح المعتمد عليه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتكلم بها فإنّا لو توهمنا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم تكلم بها فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أوجه : إما أن يجري ذلك على لسانه عمدا باختياره وهذا لا يجوز لأنه كفر ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم جاء داعيا إلى الإيمان ناهيا عن الكفر طاعنا في الأصنام فكيف يمدحها ويعظمها باختياره ؟ وإما أن يجري الشيطان على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه ، وهذا أيضا لا يجوز لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره صلّى اللّه عليه وسلّم لقوله تبارك وتعالى :إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ[ الحجر : 42 ] وقوله تعالى حكاية عنه :وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ[ إبراهيم : 22 ] فكيف يقدر على ذلك في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ وإما أن يقع ذلك على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم سهوا وغفلة من غير قصد ، وهو أيضا مردود لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أعقل الخلق وأعلمهم فكيف تجوز عليه هذه الغفلة خصوصا في حالة تبليغ الوحي ؟ ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله والثقة به لقيام احتمال الغلط والخطاء في كل واحد من الأحكام والشرايع . فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا احتمال واحد وهو أنه عليه الصلاة والسّلام وقف وسكت عند قوله :وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى[ النجم : 20 ] والشيطان حاضر عنده فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلة بقراءته صلّى اللّه عليه وسلّم فوقع عند بعضهم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي تكلم بها لتكون إلقاء في قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان الشيطان يتكلم في زمن الوحي كما ذكر أنه ظهر في صورة شيخ نجدي على المشركين الذين اجتمعوا في دار الندوة على قصد المكر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتكلم في شوراهم واستصوب رأي بعضهم وخطأ