تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وقيل : تمنى بمعنى قرأ لقوله :
تمنى كتاب اللّه أول ليله * تمني داود الزبور على رسل
فأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها إن تكلم بذلك رافعا صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد رد بأنه أيضا يخل بالوثوق على القرآن ولا يندفع بقوله :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
لأنه أيضا يحتمله . والآية تدل على
شرح
آخرين . وذكر أيضا أنه نادى يوم أحد : ألا إن محمدا قد قتل . وقال يوم بدر : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم . وهذا الاحتمال غير مستحيل عقلا وشرعا فتنة من اللّه تعالى وابتلاء لعباده . لكنه إنما يجوز في غير مقام تبليغ الوحي وأداء الرسالة ، لأنّا لو جوّزنا ذلك لارتفع الاطمئنان إلى شرعه ولجوّزنا أن كل ما بلغه إلينا عن اللّه تعالى ينضم إليه غيره بخلط الشيطان . فظهر بما ذكرنا أن هذه القصة موضوعة . غاية ما في الباب أن جمعا من المفسرين رحمة اللّه تعالى عليهم ذكروها لكنهم ما بلغوا في الكثرة حد التواتر ، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية والمتواترة ، فلذلك قال المصنف في تفسير الآية « ألقى الشيطان في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا » ولم يقل : ما يوافق تشهيه من الكلام . ثم قال : « وإن صح فابتلاء » والظاهر أن مبنى الصحة أن يتكلم به الشيطان عند سكوته عليه الصلاة والسّلام بعد قوله :وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى[ النجم : 20 ] فإنه أقرب الاحتمالات المذكورة إلى الصحة فيكون المعنى : ما من رسول ولا نبي قبلك إلا مكنا الشيطان أن يلقي في قراءتهم مثل ما ألقى في قرأتك عندما تمنيت ، فلا تهتم لذلك فإنا نجعل ذلك لإضلال قوم وهداية آخرين لنميز بين الثابت على الإيمان والمتزلزل فيه . قوله : ( وقيل تمنى بمعنى قرأ ) عطف على قوله : « تمني زور » فإن التمني جاء في اللغة بمعنيين : تمني القلب والقراءة قال اللّه تعالى :وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ[ البقرة : 78 ] أي إلا قراءة لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف وإنما يعلمه قراءة . وقال رواة اللغة : الأمنية القراءة واحتجوا عليه ببيت حسان رضي اللّه تعالى عنه وهو تمني كتاب اللّه أول ليله . وقيل : الأولى في تأويل الآية أن يقال : التمني بمعنى القراءة فقوله تعالى :أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ[ الحج : 52 ] أي عند تلاوته القرآن ألقى في قلوب الكفرة ما يجادلون به الرسول ويحاجونه ويوقعون به شبهة في قلوب أتباعه ليمنعوهم عن اتباعه كقولهم عند سماع قول الرسول :حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ[ المائدة : 3 ] إنه يحل ذبيحة نفسه ويحرم ذبيحة اللّه تعالى ، فينسخ اللّه تعالى ما يلقي الشيطان في قلوب الكفرة بإنزال قوله :وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ[ الأنعام : 121 ]فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ[ الأنعام : 118 ] فبين به أنه إنما حل هذا بذكر اسم اللّه عليه وحرم الآخر بعدم ذكر اسم اللّه عليه وكقولهم عند سماعإِنَّكُمْ وَما