الثاء على أنها جمع مثلة كركبة وركبات
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
مع ظلمهم أنفسهم . ومحله النصب على الحال والعامل فيه « المغفرة » والتقييد به دليل جواز العفو قبل التوبة ، فإن التائب ليس على ظلمه . ومن منع ذلك خص الظلم بالصغائر المكفرة لمجتنب الكبائر أو أوّل المغفرة بالستر والإمهال .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ
( 6 ) للكفار أو لمن شاء . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لولا عفو اللّه وتجاوزه لما هنأ أحدا العيش ولولا وعيده وعقابه لا تكمل أحد » .
شرح
يقال للعار الباقي والخزي اللازم : مثلة . قال الواحدي : أصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه ، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابها للمعاقب عليه ومماثلا له لا جرم أنه يسمى بهذا الاسم . وقرىء المثلات بضمتين لاتباع الفاء العين والمثلات بفتح الميم وسكون الثاء جمع مثلة قيل : لغة الحجاز والمثلات بضم الميم وسكون الثاء على أن يكون المثلة بالضم والسكون لغة أصلية أو مخففة من المثلة بضمتين وهو قوله : « بالتخفيف بعد الاتباع » . وقرأ الأعمش ومجاهد « المثلاث » بفتحهما جمع مثلة على وزن صدقة أو جمع مثلة كركبة وركبات .
قوله : ( مع ظلمهم أنفسهم ) يعني أن قوله تعالى :عَلى ظُلْمِهِمْمعناه حال اشتغالهم بالظلم كما يقال : رأيت فلانا على أكله . والمراد حال اشتغاله بالأكل . قوله :
( والعامل فيه المغفرة ) يعني أنه هو العامل في صاحبها وإلا فمتعلق الجار والمجرور محذوف أي مستمرين على ظلمهم . ولا شك أن المستمر على الظلم والمشتغل به لا يكون تائبا عنه ، فدلت الآية على جواز العفو بدون التوبة . ولما لم يكن معمولا بها في حق الكفار للنصوص الدالة على عدم العفو عنهم بقيت معمولا بها في حق أهل الكبيرة فيكون قوله تعالى :وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِفي حق الكفار أو في حق من شاء عقابه من عصاة المؤمنين . ثم إنه تعالى لما استعجب من الكفار إنكارهم البعث والجزاء المستلزم لإنكار النبوة حكى أنهم طعنوا في نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يعتدوا بما شاهدوه من المعجزات وطلبوا منه صلّى اللّه عليه وسلّم معجزات ظاهرة قاهرة مثل : فلق البحر وقلب العصا ثعبانا فقال :وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواالآية فلقن اللّه تعالى نبيه عليه الصلاة والسّلام أن يجيبهم بأن يقول : ليس على إتيان كل ما يقترح عليّ وإنما على الإنذار عن مخالفة حكم اللّه وما يتوقف عليه ذلك الإنذار وهو إتيان ما تثبت به النبوة من جنس المعجزات ، فإن أتيت بمعجزة واحدة فقد تم المقصود فيكون طلب الباقي تحكما على مدعي النبوة فلا يلتفت إليه لتمام الحجة بدون الباقي . وأيضا فتح هذا الباب يفضي إلى إتيان ما لا نهاية له لأنه كلما جاء بمعجزة جاء واحد آخر فطلب معجزة أخرى وذلك يوجب سقوط عزم الأنبياء عليهم الصلاة السّلام وهو