وذلك أنهم استعجلوا بما هددوا به من عذاب الدنيا استهزاء .
وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ
العقوبات لأمثالهم من المكذبين فما لهم لم يعتبروا بها ولم يجوزوا حلول مثلها عليهم . والمثلة بفتح الثاء وضمها كالصدقة والصدقة العقوبة لأنها مثل المعاقب عليه ومنه : المثال للقصاص . وأمثلت الرجل من صاحبه إذا اقتصصته منه . وقرىء « المثلات » بالتخفيف و « المثلات » باتباع الفاء العين « والمثلات » بالتخفيف بعد الاتباع والمثلات بفتح
شرح
ورجح الوجه الأول لأنه يفيد تقبيح حالهم في الآخرة فلذلك كان أنسب في هذا المقام ، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى : أولئك يغلون يوم القيامة . وحكم عليهم ثالثا بقوله :أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَعلى معنى أنهم هم الموصوفون بالخلود في النار لا غيرهم وأن خلودهم إنما هو في النار لا في غيرها لأن كل واحد من توسيط ضمير الفصل وتقديم فيها يفيد الحصر ، فثبت أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار . قوله : ( وذلك أنهم استعجلوا بما هددوا به من عذاب الدنيا استهزاء ) أي قالوا : متى يجيئنا هذا العذاب ؟
فاستعجلوا نزوله على سبيل الطعن فيه وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له . فلهذا السبب حكى اللّه تعالى عنهم أنهم يستعجلون الرسلبِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِأي ينزول العقوبة المهلكة قبل إحسان اللّه معهم بالإنظار والإمهال . فإنه تعالى صرف عمن بعث إليهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم عقوبة الاستئصال وأخر تعذيب مكذبيه إلى يوم القيامة فذلك التأخير في حقهم هو الحسنة . فهؤلاء طلبوا منه صلّى اللّه عليه وسلّم نزول تلك العقوبة ولم يرضوا بما هو حسنة في حقهم ، سميت العقوبة سيئة لأنها تسوءهم وتؤذيهم . ويجوز أن يكون المراد بالحسنة الثواب الموعود لهم في الآخرة وحصول النصر والظفر في الدنيا بشرط الإيمان ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعدهم ذلك على الإيمان فالقوم طلبوا منه صلّى اللّه عليه وسلّم نزول العذاب بدل ما وعد لهم على الإيمان من النصر والظفر . واعلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا ، والقوم كلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا البعث والقيامة وهو الذي تقدم ذكره في قوله تعالى :وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباًوكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه وقالوا : متى يجيئنا استهزاء وهو قوله :وَيَسْتَعْجِلُونَكَبالعذاب . وقوله :قَبْلَ الْحَسَنَةِمتعلق بالاستعجال ظرف له ، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال مقدرة من « السيئة » وقوله :وَقَدْ خَلَتْحال من المستعجلين والعامة على فتح الميم وضم الثاء المثلثة ، وهو جمع مثله بفتح الميم وضم الثاء أيضا كسمرة وسمرات وهي العقوبة الفاضحة ، ويقال لها مثلة أيضا بضم الميم وسكون الثاء مثل : صدقة وصدقة ويجمع على مثلات بسكون الثاء . وقيل : المثلة العقوبة المبقية في المعاقب شيئا وهو تغير تبقى الصورة معه قبيحة وهو قولهم : مثل فلان بفلان إذا قبح صورته أو قطع أذنه أو أنفه أو سمل عينه أو بقر بطنه ، فهذا هو الأصل ، ثم