فعلا واحدا من حيث إن الجبال أسباب لتولدها
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
متعلق بقوله :
جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
أي جعل فيها من جميع أنواع الثمرات صنفين اثنين كالحلو والحامض والأسود والأبيض والصغير والكبير .
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
يلبسه مكانه فيصير الجو مظلما بعدما كان مضيئا . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر « يغشى » بالتشديد .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 3 ) فيها فإن تكونها وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبر أمرها وهيأ أسبابها .
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ
بعضها طيبة وبعضها سبخة وبعضها رخوة وبعضها صلبة وبعضها يصلح للزرع دون الشجر وبعضها بالعكس ، ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه لم تكن كذلك لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية من حيث إنها متضامة متشاركة في النسب والأوضاع .
وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
وبساتين فيها أنواع الأشجار والزروع وتوحيد الزرع لأنه مصدر في
شرح
الأرض ، فهذا هو السبب في تولد الأنهار من الجبال . فلما كان بينهما هذه العلاقة كنت ترى في أكثر الأمر أنه تعالى أينما ذكر الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية ومثل ما في قوله تعالى :وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً[ المرسلات : 27 ] . قوله :
( متعلق بقوله جعل ) على أنه حال من معموله أي وجعل فيها زوجين اثنين حال كونهما من جميع أنواع الثمرات قدمت على ذي الحال لكونه نكرة . وقوله تعالى :يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَإما مستأنف لبيان الحكمة في إنشاء الشمس والقمر وتسخيرهما أو حال من ضمير اسم « اللّه » المستتر في الأفعال المذكورة قبله وهي : رفع وسخر ويدبر ويفصل ومد وجعل . قوله :
( يلبسه مكانه ) يعني أن الإغشاء إلباس الشيء بالشيء ، ولما كان إلباس الليل النهار وتغطية النهار به غير معقول لأنهما متضادان لا يجتمعان واللباس لا بد أن يجتمع مع اللابس قدر المضاف وهو مكانه ومكان النهار هو الجو وهو الذي يلبس ظلمة الليل ، شبه إحداث الظلمة في الجو الذي هو مكان الضوء بإلباسها إياه وتغطيته بها فأطلق عليه اسم الإغشاء والإلباس فاشتق منه لفظ يغشي فصار استعارة تبعية . قوله : ( ولولا تخصيص قادر الخ ) إشارة إلى أن المقصود من قوله تعالى :وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌالآية إقامة الدليل على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم مستندا إلى الاتصالات الفلكية والحركات الكوكبية وذلك لأن قطع الأرض مختلفة في صفاتها مع اشتراكها في الطبيعة الأرضية ، وكونها متجاورة متقاربة بحيث يكون تأثير الشمس وسائر الكواكب فيها على السوية وقوله : « من حيث إنها متضامة متشاركة في النسب والأوضاع » علة لاشتراك تلك القطع فيما يعرض لها