كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
لمدة معينة يتم فيها أدواره أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ
[ التكوير : 1 ، 2 ]
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
أمر ملكوته من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وغير ذلك .
يُفَصِّلُ الْآياتِ
شرح
طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير تلك الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد . ثم إنه خرج من أحد جانبي تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء ومن الجانب الآخر منها جرم غائص في الأرض ، ومن المحال أن يتولد من طبيعة واحدة طبيعتان متضادتان فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم . ثم إن الشجرة النابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشبا وبعضها يكون نورة وبعضها يكون ثمرة ، ثم إن تلك الثمرة أيضا يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع فالجوز له أربعة أنواع من القشور : قشره الأعلى ، وتحت القشرة الخشبية ، وتحته القشرة المحيطة باللب ، وتحت هذه القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز واللوز رطبا . وأيضا فقد يحصل في الثمرة والواحدة الطبائع المختلفة فالعنب مثلا قشره وعجمه بارادان يابسان ، ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لا بد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القديم . ثم استدل بأحوال الليل والنهار حيث قال تعالى :يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ[ الرعد : 3 ] فإن الإنعام لا يكمل إلا بالليل والنهار وتعاقبهما . قوله : ( لمدة معينة ) أي يسير إلى وقت معلوم في منازله لا يجاوزه . قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وسيرها في تلك المنازل يتم في ستة أشهر ، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى كل واحد منها في ستة أشهر أخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا .
فالمراد بقوله تعالى :كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّىهذا . وقيل : المراد به كونهما متحركين إلى يوم القيامة وعند مجيء ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات .
قوله : ( أمر ملكوته ) أي أمر ملكه وسلطنته . فإن الملكوت من الملك كالرهبوت من الرهب يقال له : ملكوت العراق وهو الملك . والعزة ولفظ الجلالة في قوله تعالى :اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِمبتدأ خبره « الذي » ورفع السماوات واستوى على العرش وسخر الشمس والقمر صلات . وكأنه قيل : ماذا حكمته في إنشائها وتسخيرها والاستواء عليه ؟ قيل :
يدبر الأمر يفصل الآيات الدالة على وجود منشئها وحكمة مخترعها ليوقن المكلفون بأن مرجعهم إليه وأنه لا بد من لقائه ليثيبهم ويعاقبهم على ما كلفوا به ، كما أشار إليه بقوله تعالى :لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَوقوله تعالى :إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ الرعد : 3 ] وإن كان الذي رفع السماوات صفة للفظ الجلالة يكون قوله : « يدبر » خبرا للمبتدأ و « يفصل » خبرا بعد خبر كما أشار إليه المصنف . ويكون المقصود من توصيف