وقيل : الباء مزيدة والمعنى : فأتبعهم جنوده وذادهم خلفهم .
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
( 78 ) الضمير لجنوده أوله ولهم ، وفيه مبالغة ووجازة أي غشيهم ما سمعت قصته ولا يعرف كنهه إلا اللّه . وقرىء « فغشاهم ما غشاهم » أي غطاهم ما غطاهم .
والفاعل هو اللّه تعالى أو « ما غشاهم » أو
« فِرْعَوْنُ »
لأنه الذي ورطهم للهلاك
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
( 79 ) أي أضلهم في الدين وما هداهم وهو تهكّم به في قوله :
وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
[ غافر : 29 ] أو ( أضلهم في البحر وما نجا ) .
شرح
المفعول المحذوف . وقرىء « فاتبعهم » بتشديد التاء فيتعدى بنفسه إلى واحد ويتعدى بالباء إلى آخر . وقيل : الباء زائدة في المفعول الثاني والتقدير : فأتبعهم فرعون جنوده كما في قوله :لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي[ طه : 94 ] وقوله :أَسْرى بِعَبْدِهِ[ الإسراء : 1 ] . قوله : ( وذادهم خلفهم ) أي ساق جنوده خلف موسى وقومه ، فإن الذود السوق يقال : ذدت الإبل أي سقتها .
قوله : ( وفيه ) أي في إبهام فاعل « غشيهم » مبالغة وتعظيم لما أصابهم وسترهم من اليم مع وجازة اللفظ واختصاره . و« مِنَ »في قوله :مِنَ الْيَمِّللتبعيض ولا ينافيه تعظيم ما غشيهم . وقيل : بل المعنى علاهم وسترهم من ماء البحر قدر ما غرقهم فيكون الإبهام للتحقير . قوله : ( والفاعل هو اللّه أو فرعون ) وعلى هذين التقديرين يكون « ما غشاهم » مفعولا ثانيا .
قوله : ( وهو تهكّم به ) التهكم أن يؤتى بعبارة والمقصود عكس معناها فقوله تعالى :وَما هَدىأي ما هدى قومه يدل على كونه مهتديا عالما بطريق الهداية إلا أن هدايته لم تتعلق بقومه . وفرعون مع كونه رئيس الضالين كيف يتوهم كونه مهتديا عالما بطريق الهداية ، فيكون ما يدل على ذلك تهكما في حقه . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : لما أمر اللّه تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلي والدواب لعيد يخرجون إليه فخرج بهم ليلا وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف ليس فيهم ابن ستين ولا عشرين ، وقد كان يوسف عليه الصلاة والسّلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظام فأخذوها .
وقال موسى عليه الصلاة والسّلام للعجوز : احتكمي فقالت : أكون معك في الجنة . فلما خرجوا تبعهم فرعون وعلى مقدمته ألف ألف وخمسمائة ألف سوى الجناحين والقلب ، فلما انتهى موسى إلى البحر قال : هنا أمرت فأوحى اللّه تعالى إليه : أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فقال لهم موسى : ادخلوا فيه . فقالوا : كيف وهي طرق رطبة ؟ فدعا ربه فهبت الصبا فجفت فقالوا : نخاف الغرق في بعضنا ، فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضا . ثم دخلوا حتى جاوزوا وأقبل فرعون إلى تلك الطرق فقال قومه له : إن موسى قد سحر البحر