« قالوا » إن كان « للسحرة » فهو قول بعضهم لبعض .
ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا
مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين . قيل : كانوا سبعين ألفا مع كل منهم حبل وعصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة .
وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى
( 64 ) فاز بالمطلوب من غلب وهو اعتراض .
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
( 65 ) أي بعد ما أتوا مراعاة للأدب و « أن » بما بعده منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بخبر محذوف أي اختر إلقاءك أولا أو إلقاءنا ، أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا .
قالَ بَلْ أَلْقُوا
مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم وإسعافا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم ، وتغيير النظم إلى وجه أبلغ . ولأن يبرزوا ما معهم ويستنفدوا أقصى وسعهم . ثم يظهر اللّه سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه .
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ
شرح
عليه ، إلا أنه حذف صلة « أجمعوا » في نظم التنزيل كما حذف صلة العزم في قوله تعالى :وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ[ البقرة : 235 ] أي على عقدة النكاح فلذلك حذفها المصنف في قوله : « فأزمعوه » أي اعزموه . وأما إن قرىء « فاجمعوا » بوصل الهمزة وفتح الميم من الجمع بمعنى لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به ، فحينئذ لا حاجة إلى اعتبار حذف الصلة فإن جمع يتعدى بنفسه . قوله : ( مصطفين ) فيكون من قبيل تسمية المحل باسم الحال . قوله :
( وهو اعتراض ) يعني أن قوله :قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَمن كلام اللّه تعالى جيء به بين كلامهم ومقولهم ، فهو اعتراض باعتبار كونه أجنبيا وقع بين كلامهم . وفيه بحث ، لأن الظاهر أنه من كلامهم قالوا ذلك تحريضا لقومهم على الإجماع والاتفاق على كيدهم بالجد والاهتمام فلا اعتراض حينئذ . قوله تعالى :( قالُوا يا مُوسى )استئناف جيء به لبيان ما أدى إليه تواصيهم بالإجماع على كيدهم وإتيان مكان الوعد ذوي صف أي فأتوا المكان وقالوا : إما أن نلقي ما معك قبلنا وإما أن تلقي ما معنا قبلك ، وهذا التخيير مع تقديمه عليه الصلاة والسّلام في الذكر حسن أدب منهم فلا جرم رزقهم اللّه تعالى الإيمان ببركته . ثم إنه عليه الصلاة والسّلام قابل أدبهم بأدب فقال :بَلْ أَلْقُواوالظاهر أنه عليه الصلاة والسّلام أمرهم بذلك ليظهر الفرق بين السحر وبين المعجزة الإلهية كأنه قال : ألقوا فسترون عاقبة سحركم ، وأن اللّه سيبطله وينصر رسوله ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه . قوله : ( وتغيير النظم ) مجرور بالعطف على قوله : « بذكر » الأول فإن ما في شقهم من الكلام أبلغ مما في شقه عليه الصلاة والسّلام ، من حيث إن زيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى علل المصنف قوله عليه الصلاة والسّلام :بَلْ أَلْقُوابأربع علل . والإسعاف بالحاجة قضاؤها . قوله : ( ويستنفدوا ) أي ويستفرغوا ، من نفذ الشيء بالكسر نفادا أي فني . قوله : (فَيَدْمَغُهُ) تخييل لتشبيه الباطل بالخصم المنتصب في مقام المجادلة يقال : دمغه دمغا إذا شجّه حتى بلغت الشجة الدماغ