البحر .
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
اجعلها ذات عيب
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ
قدامهم أو خلفهم وكان رجوعهم عليه واسمه جلندى بن كركر . وقيل : منوار بن جلندي الأزدي
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
( 79 ) من أصحابها وكان حق النظم أن يتأخر قوله :
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
عن قوله :
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ
لأن إرادة التعيب مسبب عن خوف الغصب ، وإنما قدّم للعناية أو لأن السبب لما كان مجموع الأمرين خوف الغصب ومسكنة الملاك رتبه على أقوى الجزءين وأدعاهما ، وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم . وقرىء « كل
شرح
التي هي أسباب معتبرة في نفس الأمر لما ذكر من التصرفات فعل ما فعل لتلك الأسرار الخفية والحكم الإلهية ، فظهر بهذا تفاوت ما بين موسى والخضر عليهما السّلام في باب العلم وأن مرتبة الخضر كانت فوق مرتبة موسى فيه . فإن قيل : ظهر مما ذكر أنه تعالى خص الخضر بما علمه من العلوم اللدنية فكانت مرتبته فوق مرتبة موسى باختصاصه بتلك العلوم ، والاطلاع على بواطن الأشياء وحقائقها وموسى لا يعلم هذا النوع من العلوم الإلهية ، فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علما يمكنه تعلمه ، وهذه المسائل الثلاث علوم لا يمكن تعلمها . فما الفائدة في ذكرها وإظهارها ؟ فالجواب أن العلم بالأسرار الآلهية وإن كان لا يمكن تعلمه بنفسه من البشر إلا أنه يمكن أن يتعلم طريق حصوله بتصفية الباطن وتجريد النفس وتطهير القلب من العلائق البدنية . ثم إن موسى عليه السّلام لما استكمل بمعرفة الشرائع الظاهرة بعثه اللّه تعالى إلى هذا العالم ليعلم أن كمال الإنسان بأن ينتقل من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم البواطن والحقائق المبنية على التنزه عما يشغل سره عن الحق والتوجه إلى جناب القدس وعالم الغيب . قوله : ( قدامهم أو خلفهم ) أي إن لفظ « وراء » من الأضداد يطلق على كل واحد من جهتي الأمام والخلف . قال تعالى :مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ[ الجاثية : 10 ] أي أمامهم وقال :وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا[ الإنسان : 27 ] وذلك أن وراء وإن كان ظرف مكان إلا أنه مأخوذ من التواري وهو التستر والاختفاء يقال : وأريت الشيء أي أخفيته ، وتوارى هو أي تستر وكل ما غاب عنك فهو متواري عنك وأنت متواري عنه ، فيصح أن يقال لكل ما غاب عنك : إنه وراءك . وما كان أمام الشيء أو قدامه إذا كان غائبا عنه لا يبعد أن يطلق عليه لفظة وراء ولكون الوراء بمعنى القدام احتج بوروده في القرآن بذلك المعنى ، وبقراءة ابن عباس « وكان إمامهم ملك » وإن كان الملك الغاصب في جهة خلفهم لا بد أن يكون مرجع السفينة عليه حتى يكون لخرقها فائدة . وقوله تعالى :غَصْباًيحتمل أن يكون مصدرا في موضع الحال وأن يكون مفعولا مطلقا لبيان نوع الأخذ نحو :
رجع القهقرى . قوله : ( وإنما قدّم للعناية ) يعني قدم المسبب الذي هو إرادة التعييب على السبب وهو خوف الغصب مع أن حق المسبب أن يترتب على السبب ويتأخر عنه لوجهين :