وهو أصل ممهد ، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة .
ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
( 82 ) أي ما لم تستطع ، فحذف التاء تخفيفا . ومن فوائد هذه القصة أن لا يعجب المرء بعلمه ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه ، فلعل فيه سرّا لا يعرفه ، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم ويراعي الأدب في المقال ، وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يتحقق أضراره ثم يهاجر عنه .
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ
يعني إسكندر الرومي ملك فارس والروم وقيل : المشرق والمغرب ولذلك سمي ذا القرنين . أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها . وقيل : لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس .
شرح
الأول ، فوجب تحمله دفعا لما هو أعظم منه . فكذا المسألة الثالثة لأن المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على إقامة ذلك الجدار لو سقط لضاع أولئك الأيتام وفيه ضرر شديد . قيل :
وقال الخضر لموسى عليه الصلاة والسّلام حين قال له : أخرقتها لتغرق أهلها ؟ قد ألقتك أمك في اليم فلم تغرق فلم خفت الغرق عليهم مع حفظ اللّه تعالى ؟ ولما قال : أقتلت نفسا زاكية بغير نفس ؟ قال : إنك قتلت القبطي بالوكزة فلم تعاتبني بهذا . ولما قال له : لو شئت لتخذت عليه أجرا . قال : إنك سقيت لابنتي شعيب فلم تطلب لذلك أجرا فلم تأمرني بذلك ؟ فكان له وجوه تنبيه في هذه القصة . قال وهب : ثم انطلق موسى والخضر حتى قعدا على الصخرة فأقبل طائر فغمس منقاره في البحر ، ثم أخرجه فمسحه على جناحيه فقال الخضر : إنه يقول ما علم الخلق في علم اللّه إلا بقدر ما حملت بمنقاري . وقال موسى للخضر حين أراد أن يفارقه : أوصني . قال : لا تضحك من غير عجب ولا تعير الخاطئ بخطيئته وابك على خطيئتك ، ولا تؤخر عمل اليوم لغد . وروي أيضا أن موسى لما أراد أن يفارقه قال :
أوصني . قال : لا تطلب العلم لتحدث به واطلبه لتعمل به . قوله : ( يعني إسكندر الرومي ) فيه نظر لأن الإسكندر الرومي هو ذو القرنين الأول كان مؤمنا عبدا صالحا . وقيل : كان نبيا وقد أسلم على يدي إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وكان وزيره الخضر وهو أول التبابعة ، وكانت مدة ملكه ألفي سنة لأنه كان في دين الخليل إلى أن أدركه سيل العرم وما بعده ، وكانت أمه رومية وكان يقال لها فيلسوف لعقلها . وذو القرنين الثاني كان فيلسوفا حكيما مشركا كافرا وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف . كذا نقل من تاريخ ابن كثير . وفي تفسير الكواشي :
أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن ذي القرنين فقال : « لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا أحب اللّه فأحبه اللّه ، وناصح اللّه فناصحه اللّه واسمه عبد اللّه » . أو الإسكندر من القرون الأول من ولد يونان بن يافث بن نوح أو كان بعد ثمود . قالوا : وعاش ألفا وستمائة سنه . قوله : ( قرنان من الناس ) الجوهري : القرن من الناس أهل زمان واحد ويطلق القرن أيضا على ثمانين سنة .
وقيل : على ثلاثين سنة ، وعلى ما يماثلك في السن تقول : هو على قرني أي على سني