وليس من الأخذ عند البصريين . وقرأ ابن كثير والبصريان « لتخذت » أي لأخذت . وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الذال ، وأدغمه الباقون .
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ
الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله : لا
تُصاحِبْنِي
أو إلى الاعتراض الثالث ، أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته . وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع . وقد قرى على الأصل
سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
( 78 ) بالخبر الباطن فيما لم تستطع الصبر عليه لكونه منكرا من حيث الظاهر .
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
لحاويج . وهو دليل على أن المسكين يطلق على من يملك شيئا إذا لم يكفه . وقيل : سموا مساكين لعجزهم عن دفع الملك ولزمانتهم ، فإنها كانت لعشرة أخوة خمسة زمنى وخمسة يعملون في
شرح
ليس من الأخذ . قوله : ( الإشارة إلى الفراق الموعود ) فإن المشار إليه لا يجب أن يكون موجودا حاضرا وقت الإشارة ، بل يكفي أن يكون موجودا ذهنا ويدل عليه قوله تعالى :تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ[ القصص : 83 ] وهي معدومة وقت نزول القرآن . ولما وعده موسى عليه الصلاة واسلام أنه إن حدثت منه مسألة ثالثة يفارقه ولا يلح عليه في المصاحبة ، فلما وقع منه الاعتراض على ترك الأجر وحل ميعاد الفراق الموعود تصور الخضر عليه السّلام ذلك الفراق الموعود فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه على طريق قولك : هذا أخوك ، فإن لفظ « هذا » لا يشار به إلى غير الأخ فكذا في الآية . وخص الاعتراض الثالث بكونه سبب الفراق دون الأولين لأن لموسى عليه الصلاة والسّلام في السؤالين الأولين عذرا وهو كون الظاهر كان منكرا ، بخلاف الاعتراض الثالث فإنه غير مبني على أمر منكر وإنما بناه على طمعه الذي هو منكر في نفسه ، فإن الطمع أردى الخصال ، فلما نطق موسى عليه الصلاة والسّلام بما ينبئ عن الطمع قال له الخضر :هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَوجعله سببا للفراق وأصله : هذا فراق بيني وبينك فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به .
قوله : ( سأنبئك بالخبر الباطن الخ ) أي بالحكمة التي تخفى عليك فيما توليته من الأمور سميت تأويلا لكونها مرجعا ومصيرا لتلك الأمور من قولهم : آل الأمر إلى كذا أي صار إليه ، وتلك الحكمة خفيت على موسى لأن أحكام الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مبنية على الظواهر كما قال عليه الصلاة والسّلام : « نحن نحكم بالظواهر واللّه يتولى السرائر » أي من يتولى سرائر الأمور وظواهرها هو اللّه تعالى . والظاهر في أموال الناس ونفوسهم أن لا يكون لغيرهم ولاية التصرف فيها من غير سبب والخضر لمّا تصرف في أموال الناس ونفوسهم من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف ، كان ذلك التصرف منكرا في حكم الشرع إلا أنه تعالى لما آتى الخضر قوة عقلية قدر بها أن يطلع على بواطن الأمور ويقف على الأسرار الإلهية