وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ
قيل : اسمها أصرم وصريم واسم المقتول خيسون .
وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما
من ذهب وفضة ، روي ذلك مرفوعا والذم على كنزهما في قوله :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
[ التوبة : 34 ] لمن لا يؤدي زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق . وقيل : من كتب العلم . وقيل : كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن . وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها . لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً
تنبيه على أن سعيه في ذلك كان لصلاحه . وقيل :
كان بينهما وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء وكان سياحا واسمه كاشح .
فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما
أي الحلم وكمال الرأي .
وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
مرحومين من ربك . ويجوز أن يكون علة أو مصدرا « لأراد » ، فإن إرادة الخير رحمة .
وقيل : متعلق بمحذوف تقديره : فعلت ما فعلت رحمة من ربك . ولعل إسناد الإرادة أولا إلى نفسه لأنه المباشرة للتعييب ، وثانيا إلى اللّه وإلى نفسه لأن التبديل بإهلاك الغلام وإيجاد اللّه بدله ، وثالثا إلى اللّه وحده لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامين ، أو لأن الأول في نفسه شر والثالث خير والثاني ممتزج ، أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسائط .
وَما فَعَلْتُهُ
وما فعلت ما رأيته
عَنْ أَمْرِي
عن رأيي وإنما فعلته بأمر اللّه عز وجل . ومبنى ذلك على أنه متى تعارض ضرر أن يجب تحمل أهونهما لدفع أعظمهما
شرح
أن اللّه تعالى أعلمه بحال الغلام وأطلعه على سره وقال له : اقتل الغلام لأنا نكره كراهة من يخاف سوء العاقبة أن يغشى الغلام والديه طغيانا وكفرا . ولما قال الخضر :وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِدرج قول اللّه تعالى :فَخَشِينا[ الكهف : 80 ] في أثناء كلامه ولم يقل فخشيت إيماء إلى اضمحلال إرادته في إرادة اللّه تعالى ، وإعلاما بأن علمه مقتبس من المشكاة القدسية ولا شوب فيه لرأيه وتحقيقا لقوله تعالى :آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا[ طه : 99 ] كما قال جبريل عليه السّلام لمريم :لِأَهَبَ لَكِ غُلاماًوالواهب هو اللّه تعالى وهو مبلغ لكلام اللّه تعالى إياها .
قوله : ( وبين الأب الذي حفظا فيه ) أي روعي جانبهما لأجله وكرامته . وفي المغرب :
الحفظ خلاف النسيان وقد يجعل عبارة عن الصون وترك الابتذال . قوله : ( ومبنى ذلك ) أي مبنى ما فعله الخضر في المسائل الثلاث تحمل أدنى الضررين لدفع أعلاهما . أما المسألة الأولى فلأن الخضر علم أنه لو لم يعب تلك السفينة بالتخريق لغصبها ذلك الملك وقانت منافعها على ملاكها بالكلية ، وإن خرقها بنقص بعض ماليتها وهو أهون بالنسبة إلى الضرر