فَانْطَلَقا
أي بعد ما خرجا من السفينة
حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ
قيل : قتل عنقه . وقيل : ضرب برأسه الحائط . وقيل : أضجعه فذبحه . والفاء للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال . ولذلك
قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ
أي طاهرة من الذنوب . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ورويس عن يعقوب « زاكية » ، والأول أبلغ ، وقال أبو عمر : والزاكية التي لم تذنب قط ، والزكية التي أذنبت ثم غفرت . ولعله اختار الأول لذلك فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم ، أو أنه لم يرها قد أذنبت ذنبا يقتضي قتلها ، أو قتلت نفسا فتقاد بها . نبه به على أن القتل إنما يباح حدا أو قصاصا وكلا الأمرين منتف ، ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء ، واعتراض موسى عليه السّلام مستأنفا . وفي الثانية « قتله » من جملة الشرط واعتراضه جزاء لأن القتل أقبح ، والاعتراض عليه ادخل كان جديرا بأن يجعل عمدة الكلام ولذلك فصله بقوله :
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
( 74 ) أي منكرا . وقرأ نافع في رواية قالون وورش وابن عامر ويعقوب وأبو بكر بضمتين
قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
( 75 ) زاد فيه لك مكافحة بالعقاب على رفض الوصية ووسما بقلة الثبات والصبر ، لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة .
قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي
أي وإن سألت صحبتك . وعن يعقوب « فلا تصحبني » أي لا تجعلني صاحبك .
قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً
( 76 ) قد وجدت
شرح
ظاهره ، وأما من موسى فإنه قد استثنى في جوابه وقال :سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراًفإن التعليق بالمشيئة يدفع الحنث وينافي الكذب . وقيل : إنه من معاريض الكلام بأن لا يكون النسيان بمعنى الترك بل أراد به ما يقابل الذكر إلا أنه لا يراد به نسيان وصيته بل النسيان في الجملة ، إذ الإنسان لا يخلو عن نسيان لما روي عن ابن عباس أنه سمى إنسانا لأنه عهد إليه فنسي . والتعريض خلاف التصريح وذلك يكون بأن تصرح بذكر شيء وتميل كلامك إلى عرض وناحية لم تذكر كقولك : ما أقبح البخل تعرض للمخاطب أنه بخيل . فعلى الأول قد كان موسى نسي وصية الخضر حقيقة ونهاه عن المؤاخذة معتذرا بالنسيان المانع عنها ، وعلى الثاني لم ينس في نفس الأمر بل نهاه عن أخذه بالنسيان موهما من قبيل المعاريض ، أو حمل النسيان على الترك لأن المؤاخذة بالنسيان حقيقة مما لا يصدر من النبي فلا يحتاج إلى النهي عنها وجعل صورة المنهي عنه في الوجه الأول طريقا إلى الاعتذار بالنسيان الناشئ عن قلة التحفظ . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل ، فصّله بقوله :لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراًفإن النكر أعظم من الأمر في القبح لأن ما يشتد ويعظم من الأمور لا يلزم أن يكون منكرا ، والشيء إنما يكون نكرا إذا أنكرته العقول ونفرت عنه الطباع والنفوس .