منهما أي من الجنتين
مُنْقَلَباً
( 36 ) مرجعا وعاقبة ، لأنها فانية وتلك باقية . وإنما أقسم على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه لاستئهاله واستحقاقه إياه لذاته وهو معه أينما يلقاه .
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ
لأنه أصل مادتك أو مادة أصلك .
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
فإنها مادتك القريبة
ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
( 37 ) ثم عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال . جعل كفره بالبعث كفرا باللّه تعالى لأن منشأه الشك في كمال قدرة اللّه تعالى ، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب فإن من قدر على بدء خلقه منه قدر على أن يعيده منه
لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً
( 38 ) أصله « لكن أنا » فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون « لكن » فتلاقت النونان وكان الإدغام . وقراءة ابن عامر ويعقوب في رواية بالألف في الوصل لتعويضها
شرح
كافرين . فإن قيل : هب إنه شك في البعث والقيامة فكيف قال :ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداًمع أن الحس يدل على أن ما في الدنيا كلها في معرض الزوال والفناء ؟ أجيب بأن مراده أنها لا تبيد مدة حياته . قوله : ( وإنما أقسم على ذلك ) يعني أن الكافر بنى جزمه بذلك على مقدمتين : الأولى أنه تعالى إنما أعطاه الجاه والمال في الدنيا لكونه أهلا مستحقا لذلك ، والثانية أن الاستحقاق باق بعد الموت والمقدمة الأولى كاذبة لأن فتح باب الدنيا على الإنسان كثيرا ما يكون للاستدراج . قوله : ( لأنه أصل مادتك ) نظرا إلى أن النطفة تتولد من الدم المتولد من الأغذية النباتية المتولدة من التراب ، فكان التراب مادة بعيدة للإنسان والأغذية الحيوانية لا بد أن تنتهي إلى الغذاء النباتي المنتهي إلى التراب . قوله : ( أو مادة أصلك ) فإن آدم عليه الصلاة والسّلام مخلوق من التراب وخلقه سبب في خلق كل أحد . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون منشأ كفره بالبعث شكه في كمال قدرة اللّه تعالى . علل إنكاره على كفره باللّه تعالى بإثبات قدرته تعالى لإثبات وجوده . ثم إن المؤمن وبخ الكافر على كفره بأن قال لهوَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَلما تقرر من أن حرف التحضيض إذا دخل على الماضي يكون للتوبيخ .
وكلمة « ما » إن كانت شرطية تكون في محل النصب على أنها مفعول « شاء » قدمت عليه وجوبا . احتج أصحابنا بهذه الآية على أن كل ما أراده اللّه تعالى واقع وما لم يرده لم يقع ، فثبت أنه تعالى لم يرد إيمان الكافر وطاعة العاصي فكانت حجة لنا على المعتزلة . ومعنى الآية : هلا قلت عند دخولك جنتك ورؤيتك ما أنعم اللّه تعالى به عليك ما شاء اللّه من إبقائها وإفنائها كائن لا معارض لمشيئته ، وشكرت على إنعامه إليك بدل الاشتغال والافتخار بالنعمة عن المنعم وملاحظة التمتع بها دهرا طويلا بناء على طول الأمل وتماديا في الغفلة والاغترار بالمهلة . روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال : « من أعطي خيرا من أهل أو مال فيقال عند