تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
من فقد حسّا فقد فقد علما . ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحسّ والأشياء من حوله المعرفة لذاته وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به . فلهذا اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى في جواب
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 23 ] بذكر بعض صفاته . روي أنه عليه الصلاة والسّلام لمّا قال لهم ذلك قالوا : نحن مختصّون بهذا الخطاب . فقال : « بل نحن وأنتم » . فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] وساعة تقول هذا فنزلت :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
[ لقمان : 27 ] وما قالوه لسوء فهمهم لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير والحق ما تسعه الطاقة البشرية بل ما ينتظم به معاشه ومعاده وهو بالإضافة إلى معلومات اللّه التي لا نهاية لها قليل ينال خير الدارين وهو بالإضافة إليه كثير .
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
اللام الأولى موطئة للقسم « ولنذهبن » جوابه النائب مناب جزاء الشرط . والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور .
ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا
( 86 ) من يتوكل علينا
شرح
لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَإلى قوله :عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراًفلما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها في وصف القرآن ناسب أن يكون المراد بالروح المذكور في هذه الآية أيضا القرآن . ولما استعظم القوم أمر القرآن وسألوا أنه هل هو من جنس الشعر والكهانة ؟ أجابهم اللّه تعالى بأنه ليس من جنس كلام الشعر وإنما هو كلام ظهر بأمر اللّه تعالى ووحيه وتنزيله فقال :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيأي القرآن إنما ظهر بأمر ربي ووحيه . قوله : ( ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحسّ ) جواب عما يقال : سلمنا أن علم الإنسان مقتصر على ما يستفيده بواسطة الحواس ، لكن كيف يلزم منه أن يكون معلومه شيئا قليلا بالنسبة إلى معلومات اللّه تعالى ، ومعلومات النفوس المجردة عن الحجب الطبيعية والغواشي الجسمانية ؟ وأشار بقوله : « من إحساس الجزئيات » أي بطريق الإحساس المستفاد من إحساس الجزئيات المعرفة لذاته إلى أن الإنسان يجوز له أن يعلم شيئا من الإبداعيات على سبيل التشبيه والمقايسة بما شاهده في عالم الشهادة كما يعلم الملائكة وأحوال الآخرة بهذ الطريق . قوله : ( ومحوناه من المصاحف والصدور ) إشارة إلى جواب من زعم أن هذه الآية تدل على أن القرآن مخلوق لأن القديم لا يقبل الإزالة والإذهاب ، لما تقرر من أن ما ثبت قدمه يمتنع عدمه . وتقرير الجواب أن المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب وإزالة النقش الدال عليه من المصاحف وذلك لا يوجب كون ذلك المعلوم المدلول بها عليه محدثا . روى محيي السنة في تفسيره عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال :
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 425 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين