أَهْدى سَبِيلًا
( 84 ) أسد طريقا وأبين منهجا . وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة والعادة والدين .
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
الذي يحيى به بدن الإنسان ويدبره .
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
من الإبداعيات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من أصل كأعضاء جسده أو وجد بأمره وحدث بتكوينه ، على أن السؤال عن قدمه وحدوثه . وقيل : مما استأثره اللّه بعلمه لما روي أن اليهود قالوا لقريش : سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض
شرح
قوله : ( من الإبداعيات ) أي من الأمور المخترعة لا على مثال ، والسؤال عن الروح وإن كان يقع على وجوه كثيرة : أحدها أن يقال : أي شيء ماهية الروح وحقيقته أهو متحيز أم حال في المتحيز ، أم موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز . وثانيها أن يقال : الروح هل هو قديم أو حادث . وثالثها أنه هل يبقى بعد موت الأجسام أو يفنى ، ونحو ذلك من أحوالها . إلا أن الظاهر أنهم سألوه عليه الصلاة والسّلام عن حقيقة الروح وأنه عليه الصلاة والسّلام أجابهم بأن بيّن لهم ذات الروح ببعض عوارضه وأحواله وهو قوله تعالى :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّييعني أنه موجود بأمر اللّه تعالى وتكوينه ، وأنه ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه لأهل الظاهر ، إذ من البين أنه لا يتجاوز إدراكهم عن عالم المحسوسات وما يدركونه من المعاني المعقولة ليس إلا صورا منتزعة من الجزئيات المحسوسة على حسب الاستعدادات المختلفة ، بل هو من عالم الأمر أي الإبداع الذي هو عالم الذوات المجردة عن الهيولى والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين ، فلا يمكنكم إدراكه أيها المحجوبون بالكون لقصور إدراككم عنه . فالجواب المذكور إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به ولذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى عليه الصلاة والسّلام في جوابوَما رَبُّ الْعالَمِينَ[ الشعراء : 23 ] على ذكر بعض صفاته . وإن أرادوا بسؤالهم عن الروح أنه هل هو قديم أو حادث ؟ يكون الجواب بأنهمِنْ أَمْرِ رَبِّيبمعنى أنه حادث بتكوينه وموجود بأمره أي بقوله كن . ولفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل كما في قوله تعالى :وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ[ هود : 97 ] أي وما فعله برشيد وقوله :فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا[ هود : 66 ، 82 ] أي فعلنا فقوله تعالى :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيأي من فعل ربي وإنه حادث حصل بفعل اللّه وتكوينه وإيجاده . قوله : ( وقيل مما استأثره اللّه بعلمه ) الظاهر أن يقال : مما استأثر اللّه بعلمه بدون الضمير بمعنى استبد وتفرد بعلمه ، واستعماله متعديا غير معهود في اللغة . ومعنى الجواب حينئذ : قل معرفة الروح من شأن اللّه تعالى لا من شأن غيره على أن يقدر المضاف بعد قوله :قُلِويكون الأمر بمعنى الشأن . وهذا التوجيه يطابقه قوله :وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاولم يرض المصنف بهذا