تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعد أفراده والمسألة موضع نظر . وقد أوّل الكثير بالكل وفيه تعسف .
شرح
الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ[ البينة : 7 ] وروي عن أبي هريرة أنه قال : المؤمن أكرم على اللّه من الملائكة . وقال الإمام أبو منصور الماتريدي : أما الكلام في تفضيل البشر على الملائكة والملائكة على البشر ، فأنّا لا نتكلم فيه بما لم نعلم وليس لنا إلى معرفته حاجة فالأمر فيه إلى اللّه تعالى . قوله : ( ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس ) أي جنس بني آدم يعني إن سلمنا أن قوله تعالى :وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍيدل على أن جنس بني آدم ليسوا مفضلين على جنس الملائكة ، أو على الخواص منهم بناء على أن الكثير لم يعبر به عن الكل ، فإن المراد بالتفضيل الشرف والكرامة لكن اللازم منه وهو أن لا يكون جميع أفراد بني آدم مفضلا على ما ذكر لا ينافي أن يكون بعض الأفراد مفضلا عليه ، وذلك لأن الإضافة إلى بني آدم ليست للعهد الخارجي ولا الذهني لأن الكلام ليس في تكريم بعض الأفراد وتفضيله ، ولا لتعريف نفس الحقيقة بقرينة ذكر بني آدم في مقابلة كثير من الخلق ، وذكر الحقيقة في مقابلة الفرد غير معقول فتعين أن تكون إضافة بني آدم للاستغراق . فظهر بذلك وجه قوله : « ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعض أفراده . ثم ذكر أنه تعالى لما ذكر أن الشيطان ليس له سلطان على المخلصين من عباد اللّه تعالى ، وأنه كان في عصمة من يتوكل عليه واتبعه بذكر ما يدل على كمال قدرته من إجراء السفن لهم في البحر ابتغاء منافع الدنيا ، وأن تكريمه لبني آدم ليس من جهة تسخير الفلك لهم فقط بل إنه تعالى كرمهم من وجوه شتى من جملتها : أنه حملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير من المخلوقات ، حرّضهم على الاجتهاد في اكتساب الخيرات المؤدية إلى سعادة الآخرة فقال :يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْالآية . قرأ الجمهور بنون العظمة وقرىء « يدعو » بياء الغيبة وإسناد الفعل إلى ضمير الجلالة أو الملك و « كل أناس » على القراءتين منصوب على أنه مفعول به . وقرىء « يدعى » مبنيا للمفعول وحينئذ « كل » مرفوع لقيامه مقام الفاعل . وقرىء « يدعو » بضم الياء وفتح العين بعدها واو ساكنة . نقل عن الفراء أنه قال : أهل العربية لا يعرفون وجها لهذه القراءة . ولعل القارئ قرأ يدعا بفتحة ممزوجة بالضمة فظن الراوي أنه قرأ « يدعو » وذكر لها وجهين : الأول أن الأصل يدعا على بناء المفعول إلا أن القارئ قلب الألف واوا حال الوقف على لغة قوم يقولون هذه : أفعو وعصو وصلو في الأفعى والعصا والصلا ، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف « وكل » مرفوع لقيامه مقام الفاعل . والوجه الثاني أن الفعل مفرد والأصل « يدعا » أبدلت الواو من الألف لتدل على أن الفاعل جمع وليست ضمير جمع بل الفاعل باق على أفراده كما في قولهم : أكلوني البراغيث ، وإعراب الفعل بالحركة التقديرية .