أعمى لا يرى طريق النجاة .
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( 72 ) منه في الدنيا لزوال الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة . وقيل : لأن الاهتداء بعد لا ينفعه والأعمى مستعار من فاقد الحاسة .
وقيل : الثاني للتفضيل من عمى بقلبه كالأجهل والأبله ولذلك لم يمله أبو عمرو
شرح
الثاني عمى البصر لقوله تعالى :وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى[ طه : 124 - 126 ] وقوله :وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا[ الإسراء : 97 ] وهذا المعنى من جملة عقوبتهم . قوله : ( لزوال الاستعداد ) يعني أنه وإن كان في الدنيا ضالا عن الصراط المستقيم إلا أن ضلاله في الآخرة أشد وأقوى بالنسبة إلى ضلاله الكائن في الدنيا ، لأنه يمكنه الاهتداء في الدنيا بالتوبة عما هو فيه وبالخروج عن جهله وعما هو فيه بالتفكر في الأدلة وتحصيل ما كلف به من الإيمان بالغيب والأعمال الصالحة ، بخلاف ضلاله في الآخرة فإنه لا يمكنه الخروج عنه لزوال الاستعداد للاهتداء إلى الحق الذي كلف به ولزوال الآلة والمهلة . قوله :
( وقيل الثاني للتفضيل ) يعني قيل إن لفظ أعمى في قوله تعالى :فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىليس أفعل التي للصفة بل هي صيغة التفضيل بمعنى أشد عمى ، ولذلك عطف عليه قوله تعالى :وَأَضَلُّ سَبِيلًاواختلف في تقرير المعنى حينئذ ؛ فقيل : هذه إشارة إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدمة من قوله تعالى :الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَإلى قوله :تَفْضِيلًافالمعنى : من كان في هذه النعم التي رآها وعاينها أعمى ولم يعلم كونها نعمة الهية وصلت إليه بقدرة اللّه تعالى ورحمته ، فهو في الآخرة التي لم يرها ولم يعاينها أشد عمى عن معرفة كون النعم المشاهدة بين السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب أثر قدرة اللّه تعالى والاستدلال بها عليهفَهُوَ فِي الْآخِرَةِأي في أمرها أشد عمىوَأَضَلُّ سَبِيلًاوأبعد عن تحصيل العلم به . وعلى القولين : يكون العمى عن الأمرين حاصلا في الدنيا . والعمى المفضل هو عمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة ، والمفضل عليه هو عمى القلب عن معرفة كون العالم وما فيه من النعم من آثار قدرة الفاعل المختار الخلاق لما يشاء الفعال لما يريد . وقيل : هذه إشارة إلى الدنيا أيضا والمعنى : من كان في الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ، لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته ، وفي الدنيا يهتدي إلى التخلص عما يهلكه من المهلكات بإزالة عماه وجهله بالتفكر في الدلائل المنصوبة ، وفي الآخرة لا يهتدي إلى ذلك البتة وأضل سبيلا لأن ضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه بخلاف ضلاله في الدنيا .
قوله : ( ولذلك لمن يمله ) أي ولكون الثاني للتفضيل . قرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر عن عاصم « من كان في هذه أعمى » بالإمالة والكسر فهو في الآخرة « أعمى » بالفتح