تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
والخط ، والتهدي إلى أسباب المعاش والمعاد ، والتسلط على ما في الأرض ، والتمكن من الصناعات وانسياق الأسباب والمسببات العلوية والسفلية إلى ما يعود عليهم بالمنافع إلى غير ذلك مما يقف الحصر دون إحصائه . ومن ذلك ما ذكره ابن عباس وهو أن كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فإنه يرفعه إليه بيده .
وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
على الدواب والسفن . من حملته حملا إذا جعلت له ما يركبه أو حملناهم فيهما حتى لم
شرح
النفس النباتية لها قوى ثلاث قوة ، الاغتذاء والنماء وتوليد المثل ، والنفس الحيوانية لها قوتان زيادة على هذه الثلاث وهما : القوة الحساسة سواء كانت ظاهرة أو باطنة ، والقوة المحركة بالاختيار . فهذه القوى الخمس أعني قوى الاغتذاء والنماء والتوليد والحس والحركة الاختيارية حاصلة للنفس الإنسانية . ثم إن النفس الإنسانية مختصة بقوة أخرى وهي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي ، وهي التي يتجلى بها نور معرفة اللّه تعالى وضوء كبريائه ، فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف والفضل إلى القوى النباتية والحيوانية والإفهام بالنطق . فإن ما سوى الإنسان من الحيوانات عاجز عن تفهيم ما حصل في باطنه من لذة أو ألم تفهيما تاما وافيا بخلاف الإنسان فإنه يمكنه تفهيمه وتعريف غيره كل ما عرفه ووقف عليه وأحاط به . فكونه قادرا على هذا التعريف هو المراد بكونه ناطقا سواء كان ذلك التعريف باستعمال آلة اللسان أو بغيره ، كما في الإنسان الأخرس فإنه يمكنه ذلك بطريق الإشارة أو بطريق الكتابة . ومن كرامات الإنسان أن آتاه الخط وذلك لأن ما استنبطه كل إنسان من العلوم قليل فإذا أودع الإنسان ما علمه في الكتاب وجاء إنسان آخر واستفاد بذلك الكتاب وضم إليه من عند نفسه أشياء أخر ، ثم جاء ثالث وفعل كذلك ثم لا يزالون يتعاقبون ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين كثرت العلوم والفضائل وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات وأكمل النهايات . ومعلوم أن هذه النعمة المستفادة لا تتأتى إلا بواسطة الخط والكتب ولهذه الفضيلة الثابتة في الكتب قال تعالى :اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ[ العلق : 3 - 5 ] والتسلط على ما في الأرض فإن الأرض بالنسبة إلينا كالأم الحاضنة تكفلنا أحياء وأمواتا ، وينتفع بالماء العذب بالشرب وسقي الأشجار والبساتين وبالبحر أيضا كما قال :وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ[ النحل : 14 ] وبالهواء لأنه مادة حياتنا ولولا هبوب الرياح لاستولى الطين على هذه العمارة ، وبالنار إذ بها طبخ الأغذية والأشربة والاستضاءة بضوئها في الليالي المظلمة وهي الدافعة لضرر البرد . وهذا وجه انتفاعه بالبسائط الأرضية . وأما المركبات من المعادن والحيوان والنبات فالإنسان هو المستولي عليها والمنتفع بها . وبالجملة جميع منافع هذا العالم مصروفة إلى الإنسان والإنسان فيه كالرئيس