يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما
يعني الشرابي
فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً
كما كان يسقيه قبل ويعود إلى ما كان عليه
وَأَمَّا الْآخَرُ
يريد الخباز
فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ
فقالا كذبنا فقال :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
( 41 ) أي قطع الأمر الذي تستفتيان فيه وهو ما يؤول إليه أمركما ولذلك وحده . فإنهما وإن استفتيا في أمرين لكنهما أرادا استبانة عاقبة ما نزل بهما .
وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا
الظان يوسف إن ذكر ذلك عن اجتهاد وإن ذكره عن وحي فهو الناجي إلا أن يأوّل الظنّ باليقين .
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
اذكر حالي عند الملك كي يخلّصني .
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ
فأنسى الشرابيّ أن يذكره لربه فأضاف إليه المصدر لملابسته له ،
شرح
محذوف أي سميتموها آلهة تأكيد للمستتر فيه ليتأتى العطف عليه . واعلم أنه عليه الصلاة والسّلام لما قرر التوحيد والنبوة عاد إلى تأويل رؤياهما التي سبق تقريرها فقال للساقي : ما أحسن ما رأيت ، أما حسن الحلية فهو حسن حالك وأما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يوجه الملك إليك عند انقضائهن فيردك إلى عملك فتصير كما كنت بل أحسن . قال للخباز : بئس ما رأيت فالسلاسل الثلاث ثلاث أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيصلبك وتأكل الطير من رأسك . فقالا : ما رأينا شيئا . قال :قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِأي فرغ منه يعني سيقع ما عبرت لكما صدقتما أو كذبتما . وإنما جزم يوسف عليه الصلاة والسّلام بوقوع الأمر بهما من قبل وحي أتاه من اللّه تعالى وبيّن أن عاقبة كل واحد منهما تكون على الوجه المخصوص لأنه عليه الصلاة والسّلام لو بنى جوابه على علم التعبير لما قال :قُضِيَ الْأَمْرُلأن علم التعبير مبني على الظن والحسبان . قال تعالى :الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ[ البقرة : 46 ] ولا يبعد أيضا أن يقال : إنه عليه الصلاة والسّلام بنى جوابه ذلك على علم التعبير وقوله :قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِلم يعن به أن الذي ذكره واقع لا محالة بل عنى به أن حكمه في التعبير ما يشاء الظان بيوسف عليه الصلاة والسّلام أن كان ما ذكره من التعبير ، لأن تلك القواعد لا تفيد التعيين ولا اليقين وإنما تفيد الظن والتخمين فيصح إسناد الظن بالمعني المشهور إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام حينئذ في قوله :وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍوأما إذا كان تعبيره بطريق الوحي فلا يصح إسناد الظن إليه عليه الصلاة والسّلام لأن الوحي إنما يفيد اليقين دون الظن فيتعين كونه مسندا إلى الناجي ويكون المعنى :
وقال يوسف للرجل الذي ظن ذلك الرجل أنه ناج ، وكان ظانا في نجاته من حيث إنه لم يطمئن قلبه بنبوة يوسف عليه الصلاة والسّلام لكن كان حسن الاعتقاد في حقه فلذلك غلب على ظنه كونه مصيبا في التعبير . قوله : ( فأضاف إليه المصدر لملابسته له ) يعني الظاهر أن يقال : ذكره لربه على إضافة المصدر إلى مفعوله لأن الشائع في إضافته أن يضاف إلى الفاعل