طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ
أي بتأويل ما قصصتما عليّ أو بتأويل الطعام يعني ببيان ماهيته وكيفيته فإنه يشبه تفسير المشكل . كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الطريق القويم قبل أن يسعف إلى ما سألا منه كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد ، فقدم ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير .
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما
أي ذلك التأويل
مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
بالإلهام والوحي وليس من قبيل التكهن أو التنجيم .
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
( 37 ) تعليل لما قبله أي علمني ذلك لأني تركت ملة أولئك .
شرح
وإذا ضاق على رجل مكانه يوسع له وإن احتاج أحد جمع له ما يحتاج إليه . وقال الفراء والزجاج : إحسانه كونه من العالمين المذكرين للناس ما ينتفع به الناس في معاشهم ومعادهم . الجوهري : يقال : هو يحسن الشيء أي يعلمه . وقالا ذلك لأنهما سمعا يوسف عليه الصلاة والسّلام يذكر الناس ما يعلم منه أنه عالم . فلما سمع يوسف عليه الصلاة والسّلام قولهما هذا وصل به قوله : « لا يأتيكما طعام » الخ ليريهم أن علمه فوق ما يعلمه العلماء وجعل وصف نفسه بالعلم الفائق وسيلة إلى ذكر التوحيد . وذلك لأن جواب فتواه هو قوله :يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً[ يوسف : 41 ] الآية لكن قدم عليه مقدمة الدعوة إلى التوحيد لأنها أول ما يجب على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ولها بعثوا وبها أمروا فجعل قوله :لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِإلى قوله :وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَمخلصا إلى قوله :يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَفقوله :لا يَأْتِيكُما طَعامٌمقدمة لأصل الجواب الذي هو تعبير الرؤيا من حيث إن تأويلها وتعبيرها من قبيل العلم بالمغيبات وهذا القول يدل على علمه بها فيوطن أنفسهما لقبول ما يرد بعده من الجواب ، وجعله مخلصا لمطلوبه وذريعة إلى الشروع في إثبات التوحيد ونفي الشرك عن نفسه لكون ذلك أبلغ في نصحهم وإرشادهم إلى الحق . ولو دعاهم إلى التوحيد ابتداء بأن قال لهم من أول الأمرأَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُللبسوا له جلد النمر ولما التفتوا إليه فيفوت غرضه الذي هو أن ينتفع به في الدين .
قوله : ( أي بتأويل ما قصصتما عليّ ) على أن يكون المراد من التأويل عبارة عن مآل الشيء يؤول إلى كذا أي رجع وصار إليه . وتأويل الآية نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى معنى يرجع إليه بالمراد من ذلك اللفظ بناء على دليل لولاه لما ترك ظاهر اللفظ . قوله :
( أو بتأويل الطعام يعني ببيان ماهيته وكيفيته ) والتأويل بمعنى كشف الماهية وبيان كيفيتها ليس من قبيل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى معنى يرجع إليه المراد من ذلك اللفظ بناء